الغريبة بقلم رحاب حلمي


فهل هذا فقط هو ما لاحظه فأين تلك الكلمات الرقيقة والحنونة التي منت نفسها بسماعها طوال اليوم وهي تختار تلك الثياب بعناية فائقة بعد أن أخرجت كل الثياب تقريبا من خزانتها ولكنها لم تفقد كل الأمل فردت عليه يعني على حسب.
فقال يوسف وهو يحاول تجنب النظر اليها وهي لم تكن المرة الأولى التي يفعل فيها ذلك منذ عودته كما لاحظت مريم أيضا مدى التوتر الذي يتخلل صوته على غير المعتاد كما انه ما زال واقفا مكانه لم يبد أي رغبة للجلوس مش فاهم يعني ايه
مريم يعني على حسب الكلام اللي هنقوله دلوقت.
ونهضت من مكانها كي تستجمع القليل من شجاعتها وهي تقول يوسف احنا لازم نتكلم مع بعض شوية.
يوسف موافقا دون أن يبدي أي حماس لذلك بعكس ما كانت تشعر هي عندك حق احنا فعلا لازم نتكلم مع بعض انا حقيقي في كلام كتير عاوز اقولهولك بس لأول مرة في حياتي أحس إني مش عارف أبدأ ازاي
هل ما تسمعه الآن هو حقيقي فهل في نيته أن يبدأ هو ويعترف بحبه لها ليتها تكون الحقيقة فهذا بالفعل ما تتمناه فهو بذلك سيوفر عليها الكثير من الخجل الذي بدأ يورد خديها. 
مريم! أنا آسف!
لم تدر مريم إن كانت كلمة الاعتذار تلك قد خرجت عن يوسف أو عن أي شخص آخر مما جعلها تتلفت حولها لتحقق من ذلك وحين لم تجد أحد غيرهما بالمكان أيقنت بأنه هو من تفوه بتلك الكلمة فرددت بدون وعي آسف!
بالطبع لم يمكنها استيعاب الأمر فلقد أهبت نفسها لسماع الكثير من الكلمات منه ولكن لم يكن من ضمنها تلك الكلمة وبينما ظلت واقفة في مكانها لا تقو على الحراك أو حتى التفوه بأي كلمة أخرى سمعته يسترسل في كلامه قائلا انا فعلا اتسرعت امبارح كنت شارب كتير وتقريبا ما كنتش في وعيي بالكامل علاوة على ان كلامك استفذني لدرجة خليتني اتهورت وما قدرتش اتحكم في تصرفاتي مريم كل اللي بطلبه منك انك تقدري تسامحيني وأنا مستعد لأي تعويض.
و كالعادة رددت مريم خلفه دون وعي تعويض!
وبدا انه قد لاحظ أخيرا أنه قد استخدم كلمة غير مناسبة تماما لذا حاول معالجة الأمر سريعا فقال آسف انا قصدي اني مستعد أنفذلك أي طلب تطلبيه مهما كان في سبيل انك تغفريلي الغلطة دي.
مابه فهل سيستمر في إھانتها هكذا بينما هي تقف جامدة لا تستطيع الرد عليه أو ايذاؤه بأي كلمة وبدا أنه ينتظر قرارها أو بالأحرى ينتظر طلبها الذي يرى بأنه سيكون التعويض المناسب عن خطأه كما يسميه طلقني يا يوسف.
خرجت الكلمة من فمها كالطلقة الڼارية بعد أن ظنت بأنها عاجزة عن إخراج صوتها فنظر اليها يوسف وبدا ان طلبها ذلك لم يدهشه كثيرا وعلى عكس ما توقعت من أنه سيصر على رفضه إلا أنها وجدته يقول بإذعان حاضر لو هو دة اللي انتي عاوزاه انا هعمله. بس ممكن نأجله شوية
مريم باصرار النهاردة يا يوسف انا مش هقدر أعيش معاك ولا لحظة تانية وأنا في عصمتك. انا هطلع ألم هدومي عشان خلاص ما بقاليش مكان هنا.
وانطلقت مريم صاعدة الدرج وهي تجر أذيال الخيبة فلم تكن هذه هي النهاية التي تتوقعها لتلك الليلة بل لم يكن في حسبانها على الإطلاق بأنها ستكون الليلة الأخيرة لزواجهما.
يتبع التالي
الفصل السابع والعشرون
كانت تلك هي إحدى المرات القلائل التي يخرج فيها عبدالرءوف الكامل عن هدوئه وهو يقول والڠضب يتأجج في عينيه و يقف مستندا على عكازه وهو احنا من امتى يا يوسف وعندنا بنات بتتطلق
كان يوسف يجلس أمامه في حالة من السکينة والاستسلام كما لم يره عبدالرءوف من قبل وهو يرد بصوت يسمعه بالكاد كل من عبدالرءوف و ابنته وردة التي كانت تجلس على كرسي في مواجهة يوسف حزينة على مصير ابنة أخيها من جهة ووقلقة على والدها من الانفعال الزائد الذي حذره منه الأطباء من جهة أخرى مريم مصرة وما مش هينفع اني أجبرها انها تعيش معايا ڠصب عنها أكتر من كدة.
فانفعل عبدالرءوف أكثر وهو يقول يعني ايه مصرة وانت اصلا من امتى وانت بيهمك رأي حد تاني جرى ايه يا يوسف هو اي ست بتطلب الطلاق من جوزها بيطلقها بالشكل دة ما كنش فيه أي جواز استمر لحد دلوقت.
يوسف بس المرادي مختلفة وصعب اوي ان مريم تتراجع عن قرارها.
عبدلرءوف بشك ليه يعني وهو حصل ايه بينكم لكل دة
وعندما لم يتلق أي رد من يوسف لم يصر على سؤاله بل قال وقد خرج صوته رزينا ع العموم خلاص وكويس انك ما اتسرعتش وطلقتها قبل ما تيجو فسيبها قاعدة معانا شوية لحد ما تهدى وبعدين هيبقا لينا كلام تاني.
يوسف اللي تشوفه.
ثم نهض مستعدا للرحيل طيب عن اذنكم.
عبدالرءوف مع السلامة
وبالفعل رحل يوسف فنظر عبدالرءوف الى ابنته يسألها باهتمام هي مريم لسة صاحية
وردة بنبرة حزينة انا سيبتها كانت لسة صاحية ويا حبة عيني وشها بقا زي الليمونة من كتر العياط ورافضة انها تتكلم مع أي حد.
عبدالرءوف طيب انا طالعلها.
فنهضت وردة عارضة مساعدتها طيب تحب أطلع معاك يا بابا
عبدالرءوف رافضا لا خليكي انتي انا عاوز اتكلم ماعها لوحدنا ولما نشوف أخرة العناد دة ايه
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
جلست وهي تضع وجهها بين ركبتيها وقد جفت دموعها من كثرت البكاء كانت مريم في حجرتها القديمة بفيللا عبدالرءوف الكامل التي لم تكن تتخيل أنها ستعود إليها بتلك السرعة بعد ثلاثة شهور فقط من زواجها الذي رغم تنبؤها بفشله منذ البداية إلا أنها لم تكن تتوقع له تلك النهاية كانت مريم تستعيد في ذاكرتها كل ما سمعته من يوسف في لقائهما الأخير وكلمة آسف التي رددها على مسامعها وقد جرحتها أكثر من أن تداويها على عكس ما كان يظن ثم أخذت تفكر ما الذي جعله يتغير إلى هذا الحد بين ليلة وضحاها وكان الجواب في كلمات علياء التي كانت قد حذرتها منه فهل ما حدث يعني بأنها كانت على حق وأن يوسف قد اعتذر منها فقط لأنه لم يرد لعلاقتهما أن تتطور إلى تلك الدرجة التي يصعب عندها الانفصال هل كان هذا سبب اعتذاره لها
سمعت مريم طرقا على الباب فمسحت وجهها بيديها سريعا من أثر الدموع وهي تسأل مين
فرد الطارق أنا جدك يا مريم.
مريم اتفضل يا جدو.
فدخل عبدالرءوف وأغلق الباب خلفه ثم اقترب من حفيدته وجلس بجوارها وهو يتأمل وجهها الحزين بدقة وقلبه يتفطر من الألم بسببها ولكنه لم يدعها تشعر بذلك فسألها وهو يبتسم عاملة ايه دلوقت يا مريم مش أحسن
فقالت مريم دون أن تشعر بأي تحسن فعلي بداخلها اه الحمد لله. خلصتوا إجراءات الطلاق
عبدالرءوف مشككا انتي لسة مصرة ع الموضوع دة
مريم طبعا يا جدو انا مش
هقدر أعيش يوم تاني بعد النهاردة مع البني آدم دة.
عبدالرءوف بحكمة و لطف شوفي يا مريم انا مش هتدخل في خصوصياتكم واسألك ايه اللي حصل بس كل اللي أحب اقولهولك يا بنتي ان الطلاق دة مش حاجة سهلة كدة زي مانتي متصورة دة بيت بحاله بيتخرب يا بنتي وكمان انتو لسة ما كملتوش تلات شهور ويمكن تكونوا لسة معرفتوش بعض كويس واللي حصل بينكم دة أيا كان يعني يمكن يكون مجرد سوء تفاهم عشان كدة لازم تدي نفسك فرصة توزني الامور بعقلك قبل عواطفك وأنا واثق انك هتغيري رأيك.
نظرت مريم إلى جدها وهي في حيرة من أمرها أستخبره بما اكتشفته وسمعته من علياء الآن وهل سيصدقها أم أن ثقته بيوسف ستحول من أن يصدق أي كلمة سيئة عن هذا الرجل الذي يضعه في منزلة ولده
ثم انتبهت مجددا على صوت جدها وهو يقول قولتي ايه يا مريم 
لم ترد مريم أن ترى نظرة الأمل التي تملأ عينيه تتحطم فجأة بكلمة منها ولكنها لا تستطيع أن تتعلق بمزيدا من الأوهام أو أن تسمح لرجل كيوسف أن يخدعها مجددا لذا خرجت كلمتها الفاصلة تقول لا يا جدو انا عاوزة أطلق و النهاردة مش بكرة.
بدا أن عبدالرءوف قد استنفذ كل أسلحته لاقناعها لذلك قرر استخدام سلاحا جديدا قلما يستخدمه مع مريم فقال لها بصوت قاطع ونبرة لا تقبل النقاش وهو ينهض من على السرير وانا هخليه يطلقك يا مريم بس مش دلوقت لان لو خبر طلاقك وصل للبلد الايام دي هتبقا ڤضيحة احنا مش أدها.
ثم تركها دون ان يسمع منها اي كلمة اعتراض واحدة على قراره.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
دخل يوسف فيللته بوجه مهموم جعله يبدو أكبر كثيرا من عمره الحقيقي وقد كان كل من وليد ومريم وهدى والتي كانت قد استيقظت مؤخرا بانتظاره وفور أن رآه وليد علم بأن الأمر خطېر كما توقع تماما فنهض سريعا واتجه إلى أخيه وهو يسأله باهتمام شديد يوسف! فيه ايه مالك من ساعة ما اتصلت بيا وقولتلي هات مراتك وتعالى وانا قلقان وحاسس ان فيه حاجة ما تطمنش هي فين مريم
يوسف بصوت ثابت بعيدا كل البعد عن الڼزاع الدائر بداخله مريم عند جدها.
وهنا سألت حياة بصوت قلق ليه خير! هو حصل حاجة
وعندما لم يرد يوسف على سؤالها قررت صياغته بشكل آخر فسألت طب هي بخير
فهز يوسف رأسه موافقا مما أراح حياة قليلا وقال يوسف محدثا وليد المهم انا اتصلت بيكم دلوقت لأني مسافر بكرة الصبح لبنان وطبعا مش هينفع أسيب هدى لوحدها و أم إبراهيم بحكم السن طبعا مش هتعرف تاخد بالها منهاوانا معتمد عليكي يا حياة في الموضوع دة وتقدروا تستخدموا العربية بتاع مريم توديكم وتجيبكم سوا من الكلية.
فاندفعت هدى تقول محتجة انا مش صغيرة ومش محتاجة حد ياخد باله مني.
فأشار إليها يوسف بإصبعه محذرا وعينيه تنذر بالخطړ وهو يقول مشددا على كل كلمة اللي أنا قولته هيتنفذ بالحرف الواحد ومش عاوز أي كلمة زيادة واتفضلي ياللا روحي اطلعي اوضتك.
وعندها رأى أنها لم تحرك ساكنا ارتفع صوته قليلا وهو يقول حالا.
وتنفيذا لأمره صعدت هدى الدرج دون أن تتفوه بأي كلمة وأشار وليد بعينيه إلى زوجته ففهمت الاشارة وقالت لهما قبل أن تحذو حذو هدى تصبحوا على خير.
وظل وليد ويوسف وحدهما بالمكان فقال وليد بعد أن تأكد من خلو
المكان تماما ومن أنه ليس بمقدور أحد سماعهما أدينا بقينا لوحدينا يا سيدي قولي بقا زعلت مراتك ليه
فقال يوسف وهو يلقي