رواية وهم الرجوع بقلم روما عيسي


نحو الخارج أخذت تفكر في كيف ستخبر يوسف عن يومها الأول. هل سيكون سعيدا أم سينزعج أكثر هل سيشعر أنه بدأ يفقد السيطرة عليها شعرت أن هذا القرار ليس مجرد عودة إلى العمل بل خطوة نحو استعادة ذاتها وربما بداية لتغيير أكبر لم يكن يوسف يتوقعه.
دخلت
رحيل إلى المنزل وهي تشعر بإرهاق جسدي لكن عقلها كان متقدا بالأفكار والمشاعر المختلطة. كانت هذه أول مرة تعود إلى العمل بعد سنوات وكم شعرت بأنها استعادت جزءا من ذاتها التي كادت
أن تضيع وسط زواجها ومسؤولياتها.
أغلقت الباب خلفها بهدوء ثم خلعت حذاءها وسارت إلى الصالة حيث وجدت يوسف جالسا على الأريكة وكأنه كان في انتظارها. عيناه كانت تحملان مزيجا من الفضول والانزعاج ولم يخف عليها أنه كان يفكر كثيرا في قرارها طوال اليوم.
يوسف بصوت هادئ لكن يحمل توترا رجعتي أخيرا...
ألقت حقيبتها على الطاولة ثم جلست على الكرسي المقابل له وهي تشعر بثقل نظراته عليها.
رحيل يوم طويل ومتعب... بس كنت محتاجة ده.
يوسف محاولا أن يكون هادئا طيب... كان عامل إزاي
ترددت قليلا ثم قالت بابتسامة خفيفة مختلف حسيت كأني داخلة عالم جديد بعد غياب بس حبيت الشعور.
كان يوسف يحاول أن يبدو متقبلا لكن الحقيقة أنه لم يستطع منع الشعور بأن رحيل تبتعد عنه خطوة بخطوة. شيء ما في حديثها في نبرتها
في لمعة عينيها وهي تتحدث عن العمل جعله يشعر بأنه لم يعد مركز حياتها كما كان من قبل.
يوسف بتنهيدة خفيفة يعني ناوية تكملي
رحيل بحزم طبعا أنا مش هرجع في قراري الشغل جزء مني وأنا ضيعته لفترة طويلة... دلوقتي مش ناوية أضيعه تاني.
ساد الصمت للحظات قبل أن تقرر رحيل أن تكسر حدة الجو بينهما.
رحيل بابتسامة خفيفة على فكرة... قابلت النهاردة زملائي القدامى في الشركة.
يوسف رافعا حاجبيه باهتمام زمايلك مين فيهم
رحيل بنشاط واضح محمود كان هناك وكمان نور وليلى اتفاجئوا جدا لما شافوني وقعدنا نفتكر الأيام القديمة والضحك اللي كان بيحصل وقت الشغل.
لاحظ يوسف الحماس في صوتها ورغم أنه حاول أن يبتسم إلا أن شيء ما بداخله شعر بالغيرة والانزعاج. لم تكن فقط عادت للعمل لكنها أيضا استعادت حياتها الاجتماعية التي تخلت عنها عندما تزوجته.
يوسف محاولا أن يبدو غير مكترث كويس... يعني رجعتي وسطهم بسرعة.
رحيل بإيجابية أيوة وده حسسني إني رجعت لنفسي.
هنا شعر يوسف وكأن كلمة نفسي كانت تعني العودة بعيدا عنه.
هل كان عملها مجرد وسيلة للهروب أم أنها فعلا كانت بحاجة لهذا الاستقلال
وقف من مكانه واقترب منها قليلا صوته كان أكثر هدوءا لكن يحمل داخله توترا دفينا.
يوسف وإحنا إحنا فين من كل ده حسيت النهاردة إنك كنتي بعيدة حتى وإنتي مشيتي من الصبح وكأنك... مشغولة بحاجة تانية غير حياتنا.
أحست رحيل بوقع كلماته لكنها لم ترغب في التراجع.
رحيل يوسف أنا محتاجة ده مش علشان أهرب منك ولا من حياتنا بس محتاجة أحس إني مش بس... زوجتك وأم لبنتك محتاجة أكون أنا.
رأى في عينيها تصميما لم يره منذ فترة طويلة ورغم كل ما شعر به من خوف إلا أنه لم يجد كلمات أخرى ليقولها. فقط اكتفى بمراقبتها وهي تنظر إليه بثقة قبل أن تنهض متجهة إلى غرفتها تاركة إياه مع أفكاره المتشابكة.
اتجهت إلى غرفتها بدلت ملابسها وارتدت شيئا مريحا قبل أن تخرج لتجد ابنتها
تجلس على السجادة تلعب بدمى صغيرة.
ابتسمت رحيل وجلست بجوارها بدأت تشاركها اللعب وكأنها تحاول أن تنسى كل شيء
آخر. كانت تداعب الصغيرة تحكي لها قصصا بصوتها الحنون تضحك معها وكأنها تستمد من طفولتها طاقة نحتاجها بشدة. يوسف الذي كان يتابع المشهد من بعيد شعر بغصة في صدره.
رآها تبتسم بحرية تعطي ابنتها كل اهتمامها دون أن تلتفت له. وكأنها وجدت في الصغيرة ملاذا من كل ما يدور بينهما. تذكر الأيام التي كانت تملأ فيها ضحكاتها المكان عندما كان وجوده بجوارها يكفيها عن أي شيء آخر. لكنه الآن أصبح مجرد مراقب شخصا خارج عالمها الذي أعادت بناءه دون أن تحتاجه كما كان يتوقع.
بينما كان يوسف يراقب رحيل وهي تلعب مع ابنتهما اجتاحه شعور غريب مزيج من الحنين والندم. كان يراها تبتسم تتحرك برشاقة وهي تداعب الصغيرة تضحك معها بنفس العفوية التي كان يعشقها فيها. لكنها لم تكن تبتسم له لم تكن تلك النظرة المليئة بالحب التي اعتاد أن يراها في عينيها كلما نظر إليها.
أخذ نفسا عميقا وأغمض عينيه للحظة وكأن عقله عاد به إلى الوراء إلى تلك الأيام التي كانت
تملأ البيت بحيويتها عندما كانت تستقبله بعد يوم عمل شاق بضحكة وربما بعناق دافئ. كيف كان يشعر بالراحة لمجرد وجودها بجانبه كيف كان بيتهم نابضا بالحياة وكيف كانا لا يحتاجان إلى كلمات كثيرة ليفهم أحدهما الآخر.
فتح عينيه مجددا ليجد نفسه أمام واقع مختلف تماما. رحيل ليست كما كانت أو ربما هو من غيرها بتصرفاته بإهماله وبأخطائه التي كان يعتقد أنها ستمر بلا أثر. كان يراها الآن أقوى أكثر استقلالية وكأنها تبني عالما بعيدا عنه عالما لا يحتاج إلى وجوده كما كان في الماضي.
اقترب منها قليلا محاولا أن يستعيد شيئا مما ضاع وقال بصوت دافئ لكنه يحمل رجاء خفيا
فاكرة لما كنا بنقعد كده نلعب معاها ونفضل نضحك بالساعات كنا بنقول إننا هنفضل جنبها دايما نكبر معاها خطوة بخطوة...
رحيل رفعت رأسها نظرت إليه لثوان لكن عينيها لم تكن تحملان نفس الشوق الذي كان في صوته. فقط ابتسمت ابتسامة خفيفة ثم نظرت إلى ابنتها مجددا وقالت بهدوء
وأنا لسه عند كلامي...
ثم عادت للعب مع
الصغيرة تاركة يوسف في دوامة أفكاره يتساءل إن كان فقدها بالفعل... أم لا يزال هناك بصيص أمل!
بقلم رميسة
رواية وهم الرجوع
الفصل الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر لعبة الأقدار
كان الليل قد حل وأضواء المنزل الخاڤتة تنعكس على الجدران بهدوء. جلست رحيل على الأرض مع ابنتها تلعبان معا لعبة البازل تضحكان بين الحين والآخر عندما تخطئ الصغيرة في وضع القطعة في مكانها الصحيح.
وقف يوسف عند الباب يراقب المشهد بصمت وعيناه تحملان ألف شعور متناقض. كان يراها تضحك لكن تلك الابتسامة لم تكن له كانت لابنتهما فقط. كان يراها مسترخية لكن ليس بوجوده وكأنها لم تعد تهتم لوجوده من الأساس.
دون وعي تقدم خطوة ثم جلس على الأريكة المقابلة لهما. لاحظت رحيل وجوده لكنها لم تعره اهتماما وكأنها تعمدت أن تجعله يشعر بأنه أصبح مجرد جزء ثانوي في
حياتهاتنحنح قليلا ثم قال بصوت منخفض
وحشتك الأيام دي
رفعت رأسها أخيرا نظرت إليه نظرة هادئة لكنها خالية من أي دفء قديم. سكتت للحظة كأنها تزن كلماتها بعناية ثم
قالت بهدوء
مش عارفة يمكن وحشني إحساسي بنفسي أكتر.
جملتها أصابته كصڤعة صامتة. لم يقل شيئا فقط ظل ينظر إليها بينما استدارت لتكمل لعبها مع الطفلة تاركة إياه غارقا في أفكاره.
رحيل ناداها من جديد.
تنهدت بهدوء ثم قامت لترتب الصندوق الذي كانت تضع فيه الألعاب. لم ترد بكلمة واحدة وكأنها تخبره بصمتها أن الإجابة لم تعد تعنيه.
شعر يوسف بانقباض في قلبه نهض بدوره واقترب منها. كان على وشك أن ېلمس يدها حينما نهضت الصغيرة فجأة تركض نحوها
ماما بكرة هنلعب تاني
حملتها رحيل بين ذراعيها ضمتها برفق وهمست لها
طبعا يا روحي.
ثم استدارت نحو يوسف وقالت بجفاف
تصبح على خير.
تركته واقفا بينما كان الشعور بالخسارة يتسلل إليه تدريجيا. لم يكن يعرف متى بدأ يفقدها لكنه الآن متأكد هي تبتعد عنه ولم يكن لديه أي فكرة عن كيفية إيقاف ذلك.
بعد أن تركته رحيل واقفا شعر وكأنها تسحب معه آخر ذرة دفء كان يشعر بها. بقي للحظات محدقا في الفراغ ثم زفر ببطء وعاد إلى غرفته.
استلقى على السرير لكن
النوم كان أبعد ما يكون عنه. كان يتقلب يمينا ويسارا وكأن الوسادة لم تعد مريحة أو ربما كان الضيق في قلبه وليس في وضعية نومه.
لم يستطع التوقف عن التفكير كيف أصبحت المسافات بينه وبين رحيل شاسعة إلى هذا الحد متى أصبحت نظراتها إليه باردة وكأنهما غريبان يعيشان تحت سقف واحد
حاول إقناع نفسه أنها مجرد مرحلة وأن كل شيء يمكن إصلاحه لكنه لم يستطع إنكار أن إحساسا مرعبا بدأ يتسلل إلى داخله إحساس بأن رحيل لم تعد له وربما لن تعود أبدا.
وفي وسط هذا الضجيج من الأفكار وجد نفسه يفكر في شيء آخر يارا.
هل كان قراره بالتقرب منها خطأ أم أنه كان مجرد هروب من فراغ بدأ يتضخم داخله منذ وقت طويل ولماذا رغم كل شيء لم يستطع الشعور بأي دفء معها كما كان مع رحيل
أغمض عينيه بقوة محاولا إسكات كل الأصوات في رأسه لكنه لم ينجح. الليل كان طويلا وطويلا جدا.
استيقظت رحيل في الصباح بروح مختلفة وكأنها قررت طي صفحة
الماضي والتركيز على نفسها. كانت تشعر بأن الوقت قد حان لتفكر في حياتها بعيدا عن يوسف بعيدا عن أي مشاعر قد تربكها أو تسحبها إلى الوراء.
وقفت أمام المرآة بعد أن ارتدت ملابسها الأنيقة استعدادا ليوم عمل جديد. مررت أصابعها على شعرها المرتب بدقة وتفحصت مظهرها بعين ناقدة ثم ابتسمت بخفوت. كانت تبدو واثقة قوية امرأة تعرف ماذا تريد.
عند خروجها من الغرفة وجدت
يوسف يجلس على الطاولة يحتسي قهوته بصمت. ألقى عليها نظرة سريعة ثم أعاد تركيزه إلى فنجانه لكن رحيل شعرت بنظراته تراقبها رغم ذلك.
رايحة الشغل سألها بصوت حاول أن يبدو عاديا لكنه لم يكن كذلك.
آه عندي اجتماع مهم النهاردة مع العميل ولازم أخلص بعض التصاميم الجديدة للمشروع. ردت بهدوء وهي تأخذ حقيبتها.
أحس بشيء من الضيق وهو يراها مشغولة بعالم آخر لا يشمله. منذ متى أصبح عملها بهذه الأهمية منذ متى لم تعد تهتم إن كان غاضبا أم راضيا
واضح إنك بقيتي غرقانة في الشغل. قالها بنبرة فيها شيء من التلميح.
رفعت
حاجبيها قليلا ونظرت إليه بثبات
ده حقي زي ما ليك حياتك أنا كمان ليا حياتي وطموحاتي ولا المفروض أفضل متعلقة بيك وباستنى رضاك
كلمتها كانت قوية جعلته يشعر وكأنها تفلت من بين يديه أكثر فأكثر. رحيل التي كانت تكرس وقتها له ولحياتهما المشتركة أصبحت الآن تركز على نفسها فقط وكأنها تعيد بناء ذاتها بعيدا عنه.
خرجت دون أن تعطيه فرصة للرد تاركة وراءها يوسف في صمت غاضب وشيء من الغيرة بدأ يتصاعد داخله.
في مكتبها الجديد جلست رحيل خلف مكتبها منهمكة في مراجعة تصاميم أحد المشاريع بينما كانت ليلى تجلس أمامها تراقبها بابتسامة متفحصة.
مش مصدقة إني شايفاكي كده غرقانة في الشغل ومندمجة! قالت ليلى بنبرة مازحة.
رفعت رحيل نظرها من الشاشة وضحكت بخفة بجد
إنتي عارفة إني كنت بحب شغلي جدا وكان جزء