رواية وهم الرجوع بقلم روما عيسي


طال الانتظار بدأ قلبها يغرق في دوامة من القلق والشك.
لكن الوقت يمضي والطعام يبرد وهي ما زالت تنتظر.
فتحت هاتفها تفقدت محادثاتها معه. آخر رسالة منها كانت
متى ترجع جهزت لك مفاجأة 
لكن لم يكن هناك رد.
تنهدت وألقت الهاتف بجانبها. لم تكن تريد أن تقلق لكنها لم تستطع منع عقلها من الڠرق في دوامة الأفكار.
في مكان آخر بعيد عنها كان يوسف جالسا في مطعم راق لكن ليس معها.
كان مع يارا وابنتهما الصغيرة.
المطعم كان مضاء بشكل هادئ الطاولات مرتبة بإتقان والموسيقى تعزف ألحانا ناعمة. كانت الطفلة تجلس بينهما تحرك قدميها في الهواء بسعادة بينما تلعب بقطع الطعام في طبقها.
يارا كانت بكامل أناقتها شعرها مسدول عطرها
يملأ المكان برائحة خفيفة لكنها مميزة. لم تتوقف عن الابتسام عن محاولة إشراك يوسف في الأحاديث عن استعادة ذكريات قديمة.
على الطاولة كانت يارا تبتسم له تحاول أن تملأ الفراغ بينهما بأحاديث خفيفة عن الأيام الماضية عن الذكريات عن الطفلة التي كانت تضحك ببراءة وتلعب بملعقتها. لكن رغم محاولاتها لم يكن يوسف حاضرا تماما. عيناه كانت تنظران إلى يارا لكن عقله كان في مكان آخر كان مع رحيل.
كان يشعر بالذنب كان يعرف أنه أخطأ بقبول هذه الدعوة لكنه لم يستطع أن يقول لا أو ربما لم يرد ذلك.
تتذكر لما كنا نجي هنا زمان كنت دايما تطلب نفس الطبق! قالت وهي تضحك تحاول كسر المسافة التي يشعر بها بينهما.
لكنه لم يرد مباشرة فقط اكتفى بابتسامة باهتة وهز رأسه.
في الحقيقة لم يكن يوسف مستمتعا باللحظة كما كانت يارا تأمل. كان جسده حاضرا لكن عقله كان رحيل.
كل مرة ينظر إلى ابنته وهي تضحك كان يتذكر أن رحيل في البيت وحدها تنتظره. يشعر بتأنيب
الضمير لكنه في الوقت نفسه لم يكن قادرا على مغادرة المكان.
فجأة مدت يارا يدها ولمست يده بلطف أصابعها تنزلق فوق أصابعه بحركة خفيفة.
يوسف همست بصوت دافئ.
رفع عينيه إليها للحظة شعر بالارتباك. لم يسحب يده فورا لكنه شعر بأن الأمر خطأ شيء في داخله كان ېصرخ أن هذه اللحظة ليست صحيحة.
لكن لم يكن يدرك أن هناك من يراه.
في زاوية أخرى من المطعم كانت صديقة رحيل تجلس برفقة زوجها وأصدقائها.
كانت تستمتع بوقتها حتى التفتت بالصدفة حين وقعت شوكتها ورأت المشهد.
جفلت قليلا حدقت في الرجل الجالس هناك كان مألوفا لا لم يكن مجرد شخص مألوف كان يوسف! زوج صديقتها!
لكن الصدمة الأكبر لم تكن في وجوده بل في المرأة التي تجلس معه.
يارا.
وكانت تمسك يده.
فتحت فمها قليلا من شدة المفاجأة ثم أمسكت هاتفها بسرعة والتقطت صورة للمشهد قبل أن تفكر في الأمر مرتين.
فتحت محادثتها مع رحيل وأرسلت الصورة برسالة قصيرة
رحيل شوفي مين شفت دلوقتي!
في منزلها كانت رحيل قد فقدت الأمل في عودته مبكرا.
حملت هاتفها بتثاقل
وخيبة لم تكن تتوقع شيئا سوى ربما رسالة منه يعتذر عن التأخير.
لكنها لم تجد ذلك.
وجدت صورة
تجمدت يدها للحظة وهي تحدق في الشاشة ثم فتحت الصورة ببطء.
عيناها توسعتا قلبها بدأ ينبض پجنون.
يوسف مع يارا يمسك يدها.
لم تعرف كم من الوقت مضى وهي تحدق في الصورة لكن شيئا بداخلها كان ينهار. شعرت بوخز في صدرها وكأنها تلقت طعڼة لم تكن تتوقعها وكأن الكون بأسره توقف عند هذه اللحظة.
لكن ما كانت متأكدة منه هو أن شيئا ما قد انكسر بينهما وربما للأبد.
بقلم رميسة
الفصل التاسع ثمن الغياب.
كانت الليلة هادئة لكنها لم تكن كذلك في قلب رحيل
الدنيا سكتت حواليها الإضاءة الشموع صوت الموسيقى الهادية اللي كانت مشغلاها كله فجأة بقى بلا معنى.
عيونها فضلت مثبتة على الصورة مش مصدقة اللي شايفاه حست بقلبها بيضرب بسرعة كأنها خدت ضړبة قوية في صدرها.
أخدت خطوة للخلف وبعدها خطوة تانية كأنها بتحاول تهرب من الحقيقة اللي قدامها. أخيرا اتجمدت في مكانها وكل حاجة اڼفجرت فجأة
بإيد مرتعشة رمت الموبايل على الطاولة
وبدون ما تحس إيديها خبطت على الشمعة اللي كانت جنبها فوقع الشمع السايح على المفرش قلبته كله.
ليه ليييه!!
صړخت بصوت مخڼوق وشهقت من كتر الڠضب عينيها دمعت بس مش دموع ضعف كانت دموع خيبة دموع حد ادى فرصة واتعلق بأمل لكن الأمل ده انكسر قصاده.
بإيدين مرتعشتين مسكت الكرسي اللي قدامها ورمته بقوة وقع على الأرض بصوت فرقع في المكان كله. مسكت الفازة اللي كانت حاطاها على الطاولة ورمتها على الأرض اتحطمت لقطع صغيرة زي ما قلبها كان بيتهشم في اللحظة دي.
وأخيرا وقفت تترعش عيونها مليانة ألم صدرها بيطلع وينزل بسرعة دموعها بتنزل على خدها بس مش قادرة تمسحها.
خلاص يوسف أنا اللي كنت غبية إني صدقتك تاني
كانت مستنياه مش عشان تسامحه ولا عشان تعاتبه برقة لكن عشان تواجهه عشان تشوف بعينها هو هيكدب ولا هيعترف!
يوسف كان سايق في هدوء عقله مشغول بالحوار اللي دار بينه وبين رحيل قبل ما يخرج. حس إنها كانت متغيرة كأنها بتحاول تدي له فرصة جديدة بس مع
كل اللي حصل هو نفسه مش عارف إذا كان يستحق الفرصة دي ولا لأ.
يارا كانت قاعدة جنبه ساكتة بعدما نامت الطفلة بس ملامحها بتعكس حاجات كتير. لما قربوا من بيتها يوسف وقف العربية وقال ببرود
احنا وصلنا تصبحوا على خير.
بس يارا ما فتحتش الباب فضلت قاعدة مكانها عينيها عليه وكأنها بتفكر في حاجة. فجأة بصت له وقالت بصوت هادي
يوسف هو إحنا بقينا كده
رفع عينه لها مستغرب
كده إزاي
غرب كأننا ما كناش عايشين تحت سقف واحد كأن كل اللي بينا اتنسى.
اتنهد يوسف وقال وهو بيبص قدامه
الحاجات لما بتتكسر صعب تتصلح يا يارا وانتي عارفة ده كويس.
لكنها قربت منه نبرتها بقت أهدى وكأنها بتحاول تلعب على أوتار مشاعره
هو إحنا اللي كسرناه يوسف ولا الظروف أوقات كتير بسأل نفسي لو ما كناش انفصلنا كنا ممكن نكون أحسن
سكت يوسف مش عايز يخوض في الكلام ده. لكن هي ما استسلمتش مدت إيدها ولمست إيده اللي كانت على المقود لمسة خفيفة بس كان فيها كتير.
وحشتني يا يوسف
سحب إيده
بهدوء وغمغم ببرود
اتأخرنا دخلي الطفلة جوه.
لكنها مالت ناحيته أكتر لدرجة إن أنفاسها كانت قريبة منه بشكل خطېر
لو حتى
للحظة واحدة ما اشتقتليش
كان عقله پيصرخ إنه يبعد بس لحظة ضعف صغيرة خلت عينيه تتوه للحظة في عينيها. العطر اللي كان دايما بيربطه بأيام زمان لفحه حس إن في دوامة بتحاول تسحبه لجواه.
لم يرد لكنه شعر بعدم الارتياح. مدت يدها ببطء ولمست يده وكأنها تريد إعادة تلك الذكريات التي كان يحاول نسيانها.
ألا تتذكر أي شيء كنا عائلة سعيدة يوسف
أبعد يده عنها برفق لكنه لم يقل شيئا فتابعت بصوت خاڤت
أحيانا أتساءل لو لم يحدث كل هذا هل كنا سنظل معا
أدار وجهه للنافذة محاولا التملص لكنه شعر بها تقترب أكثر رائحة عطرها القديم تسلل إلى أنفه تذكره بأيام لم يعد يريد العودة إليها.
يارا الوقت تأخر ادخلي.
بعد ما رجع يارا وبنته البيت وقفل باب العربية فضل قاعد شوية مكانه سايب إيده على الدركسيون وعينيه مثبتة قدامه في الفراغ. حس بتقل غريب على صدره إحساس ما
كانش قادر يهزه من فوق قلبه.
رجع راسه على الكرسي وساب نفس طويل كأنه بيحاول يخرج كل حاجة مع الهوى اللي طلع منه بس الشعور ما راحش بالعكس زاد أكتر. كان عارف إنه ما كانش لازم يروح وإنه ما كانش لازم يسيب يارا تجره وراها بالشكل ده لكن حصل وده أكتر حاجة وجعته.
كنت مفروض أكون مع رحيل دلوقتي الكلمة دي لمعت في دماغه فجأة زودته إحساس الذنب أكتر. رحيل اللي كانت مستنياه اللي أكيد كانت حاسة بالشك وهو غايب وهو هو اللي داها كل سبب إنها تشك فيه.
شد على إيديه بعصبية وحس إن أنفاسه بقت تقيلة. مشكلته إنه مش قادر يتهرب من الحقيقة هو غلط. ومهما حاول يقنع نفسه إنه راح عشان بنته عارف إن جزء منه سمح ليارا تجره للمكان ده وده أكتر حاجة مخلياه حاسس إنه خاېن.
كان لازم يتحرك لازم يروح البيت يمكن يلاقي فرصة يصلح الغلط اللي عمله. بس كان عنده إحساس قاټل إن الفرصة دي راحت منه
للأبد.
مر الوقت وهي في مكانها مش سامعة غير صوت دقات قلبها والڠضب اللي بيغلي في ډمها لحد ما سمعت صوت الباب بيتفتح.
خطواته كانت هادية كأن مفيش حاجة كأنه راجع لبيته الطبيعي لمراته اللي مستنياه بس لما دخل الصالة وشاف المنظر وقف مكانه.
الأكل اللي كان متحضر على الطاولة مقلوب الكراسي مقلوبة الفازة مکسورة والمفرش متحرق شوية من الشمعة اللي وقعت عليه. حس بهواء بارد رغم إن الجو كان عادي الجو في البيت نفسه كان مخيف كان مرعب.
وبعد لحظة عيونه وقعت عليها
كانت قاعدة في الظلمة ضهرها للحيطة حضنا رجليها لنفسها وشها نازل دموع من غير صوت بس النظرة اللي في عيونها... حاجة خلت قلبه يضرب بسرعة كانت فيها حاجة ما شافهاش قبل كده حاجة كسرت قلبه وهو
مش عارف حتى يفسره.
نطق باسمها بصوت قلق وقلبه مقبوض.
رحيل مالك إيه اللي حصل هنا
ملامحها متحركتش بس دموعها مكانتش محتاجة كلام كانت بتنزل في صمت كأنها مش لاقية حتى طاقة تبكي بصوت.
قرب منها بخطوات حذرة نزل
على ركبته قدامها وحاول ېلمس إيدها لكنها سحبتها بسرعة كأن لمسته بټحرقها.
مالك إيه اللي حصل هنا
رفعت عيونها ببطء كانت نظرتها هادية بطريقة مخيفة ما صرختش ما انفجرتش بس كانت مرعبة أكتر من أي حاجة توقعها.
ردت بصوت هادي
مفيش بس كنت مستنياك.
اتلخبط حس إنها مش طبيعية لكنه ماحبش يسأل أكتر فابتسم ابتسامة صغيرة وهو بيقرب منها.
آسف اتأخرت عليكي كان عندي ظرف طارئ.
اتجاهلت اعتذاره وسألته بهدوء مصطنع
كنت فين
اتنحنح وقال بسرعة
كنت مشغول شوية حاجة تخص الشغل.
الشغل كررت الكلمة وهي بترفع حاجبها وكأنها مش مصدقة لكنه ما خدش باله.
أيوه حاجات لازم أخلصها معلش كان لازم أتأخر. قالها بثقة وهو فاكر إنه بيقنعها.
هزت راسها كأنها بتستوعب كلامه وبصوت هادي سألته تاني
متأكد إنك كنت في الشغل
هنا حس بحاجة غلط نظرتها كانت باردة زي اللي بيحفر حفرة لحد لحد ما يقع فيها بنفسه.
رحيل مالك بتسأليني كأنك بتشكي فيا حاول يضحك بس ضحكته طلعت مهزوزة.
قامت من مكانها ببطء مسكت الموبايل وقلبته ناحيته وقالت بهدوء قاټل
لو كنت في الشغل ده
مين
نظر للصورة وقلبه وقع في رجله.
صورة واضحة ليه وهو قاعد مع يارا والطفلة الصورة نفسها كان شكلها كأنه مشهد عائلي دافئ كأنهم عيلة واحدةلكنه كان أبعد ما يكون عن الدفء اللي حاسس بيه دلوقتي. 
والأهم إنه كان في مكان مش شغله خالص.
حاول يتكلم لكن الكلام ما خرجش كان عارف إن أي حاجة هيقولها مش هتكون كفاية وأسوأ حاجة إنه
هو اللي وقع نفسه في