رواية وهم الرجوع بقلم روما عيسي


مني بس... الظروف بعد الجواز خلتني أبعد.
هزت ليلى رأسها بتفهم وده السبب اللي مخليك راجعة بقوة دلوقتي سألتها وهي تميل للأمام باهتمام.
تنهدت رحيل وأخذت نفسا عميقا مش بس كده حاسة إني كنت
تايهة وكان لازم أرجع لحاجة تثبت لي إن لسه عندي طموح وهدف بعيد عن أي حد.
ابتسمت ليلى بحنان وفعلا شايفة إنك واخدة القرار الصح. بس قولي لي يوسف كان رأيه إيه
تجمدت ملامح رحيل للحظة قبل أن تعود لطبيعتها اتكلمنا في الموضوع وهو كان متحفظ شوية في الأول بس بعدين... توقفت قليلا ثم أضافت بلهجة حاولت أن تبدو طبيعية يعني مفيش مشكلة كبيرة هو متفهم إن دي حاجة مهمة ليا.
لاحظت ليلى التردد في صوت رحيل لكنها لم تعلق بل اكتفت بالابتسام قائلة كويس إنه بيدعمك وأتمنى يفضل كده دايما. المهم قولي لي إيه الجديد في مشروعك أنا متحمسة أشوف لمستك عليه.
تبادلت الاثنتان الحديث عن العمل بينما كانت رحيل تحاول إبعاد أي أفكار قد تشوش على تركيزها لتستعيد إحساسها بأنها تملك زمام الأمور من جديد.
في مساء اليوم عاد يوسف إلى المنزل متأخرا قليلا عن المعتاد. كان يومه مزدحما لكن عقله ظل مشغولا بأفكار متداخلة أبرزها رحيل التي بدت وكأنها تبتعد أكثر مع
كل يوم يمر.
عندما دخل إلى الصالة لمحها جالسة على الأريكة عيناها مركزة على شاشة اللابتوب أمامها وملامحها تحمل جدية واضحة. كانت ملامحها مضيئة بضوء الشاشة الخاڤت وشعرها منسدلا على كتفها بانسيابية مما جعل المشهد مألوفا لكنه مؤلم.
تقدم نحوها ببطء محاولا ألا يبدو مترددا.
يوسف إنتي لسه شغالة
أجابت دون أن ترفع رأسها
رحيل تقريبا خلصت.. كنت براجع بعض التصميمات الجديدة.
جلس بجوارها على الأريكة يتأمل تفاصيل وجهها التي حفظها عن ظهر قلب لكنه شعر وكأنه يراها من بعيد وكأن حاجزا غير مرئي يفصل بينهما.
يوسف فكرت إننا نخرج نتعشى النهاردة.
توقفت يدها عن النقر على لوحة المفاتيح ورفعت رأسها نحوه ببطء تنظر إليه بتمعن وكأنها تحاول فك شفراته.
رحيل ليه فجأة
ابتسم بخفة لكن عينيه كانتا تحملان شيئا أعمق.
يوسف حسيت
إننا محتاجين نكسر الروتين شوية.. بس عشاء بسيط من غير أي كلام عن الشغل أو الماضي.
تأملته للحظات ثم زفرت بهدوء.
رحيل تمام.. بس مش عايزة كلام عن اللي فات.
ابتسم يوسف رغم أنه كان يدرك أن الماضي لن يبتعد بسهولة
لكنه اكتفى بموافقتها.
يوسف اتفقنا.
وصل يوسف و رحيل إلى المطعم الذي اختاره بعناية مكان هادئ يحمل طابعا دافئا بإضاءته الخاڤتة وطاولاته المرتبة بعناية مع موسيقى كلاسيكية ناعمة تتسلل في الأجواء.
كان يوسف قد حجز طاولة بجانب النافذة حيث يمكن رؤية المدينة تتلألأ بأضوائها في الليل.
سحب لها الكرسي بلطف لتجلس ثم جلس أمامها يراقبها وهي تتأمل المكان.
يوسف بابتسامة خفيفة عجبك المطعم
رحيل بنبرة هادئة أه جميل.. بس أنت مش من النوع اللي بيحب الأماكن الهادية صح
هز كتفيه وهو يتأمل ملامحها بتركيز
يوسف زمان يمكن.. بس حاجات كتير اتغيرت.
وصل النادل وسألهما عن طلبهما فاختارت رحيل طبقا خفيفا بينما طلب يوسف طبقا كلاسيكيا من المطبخ الإيطالي.
بينما كانا ينتظران الطعام ساد الصمت للحظات لكنه لم يكن صمتا ثقيلا بل كان مليئا بالتفكير.
كان يوسف يتأمل رحيل يلاحظ الطريقة التي ترتب بها منديل المائدة بين أصابعها كيف يتسلل بعض التوتر إلى حركاتها رغم هدوء ملامحها.
يوسف مبتسما ليكسر الجدية فاكرة لما كنا بنطلب بيتزا ونختلف على الإضافات
رفعت حاجبيها وهي تتذكر ثم
ضحكت بخفة
رحيل أوه طبعا! دا أنت كنت مصمم تحط أناناس وأنا كنت بشوفها چريمة!
ضحك بدوره مستمتعا للحظة بهذا الشعور الخفيف الذي افتقده.
يوسف وكنت بتاخدي نص البيتزا بتاعتي في الآخر!
رحيل بمزاح كنت بتسيبها باردة فكان لازم حد ياكلها!
لكن اللحظة اللطيفة لم تدم طويلا إذ تغير تعبير رحيل قليلا وعادت تتجنب النظر المباشر إليه.
رحيل بنبرة أهدأ عارف.. الحاجات دي كانت زمان.
لم يرد يوسف فورا بل ظل يتأملها يفكر في كل المسافة التي باتت تفصل بينهما رغم أنهما يجلسان على الطاولة نفسها.
يوسف بس في حاجات مش بتتغير بسهولة.
قبل أن تجيب جاء النادل ووضع الطعام أمامهما مما أتاح لها الفرصة لتجنب الرد.
لكن بينما كانت رحيل تمسك بالشوكة لتبدأ في تناول طعامها رأى يوسف شيئا جعله يتجمد للحظة.
عند مدخل المطعم دخلت يارا ترتدي فستانا أنيقا تتأبط ذراع رجل طويل القامة يبدو عليها الثراء وتضحك معه وكأنها تعيش أسعد لحظات حياتها.
شد يوسف ظهره في مقعده حدقتاه تتابعانها دون أن يشعر بينما لم تلحظ رحيل أي شيء
إذ كانت منشغلة بقطع طعامها.
شعر بانقباض غريب في صدره لم يكن غيرة لكنه كان إحساسا غير مريح وكأن يارا تفعل هذا عن قصد.
حاول أن يعيد تركيزه على رحيل لكن عقله ظل مشغولا غير مدرك أن هذا العشاء لن ينتهي كما خطط له.
بقلم رميسة 
الفصل الخامس عشر نداء الماضي
كان المطعم ينبض بأضواء خاڤتة وألحان موسيقية هادئة تضفي جوا دافئا على المكان. جلست رحيل مقابلة ليوسف تتأمل قائمة الطعام بينما هو يراقبها بنظرات متفحصة كأنما يحاول قراءة ما يدور في عقلها.
بدأت رحيل تتحدث بحماس عن مشاريعها القادمة.
عارف يا يوسف حاسة إن رجوعي للشغل كان أحسن قرار خدته حسيت إني بستعيد نفسي تاني. كمان جالي مشروع تصميم جديد مع شركة معروفة ولو نجح هيفتح لي أبواب كتير.
كان يوسف ينظر إليها لكنه لم يكن حاضرا تماما فبينما كانت تتحدث كانت عيناه تائهتين وأصابعه تنقر بخفة على الطاولة. لاحظت رحيل ذلك فورا.
يوسف مالك أنت سامعني أصلا
رفع يوسف عينيه بسرعة كأنه انتبه فجأة وحاول الابتسام.
هاه آه طبعا
سامعك مشروع تصميم جديد حلو جدا.
ضيقت رحيل عينيها وهي تنظر إليه
بريبة.
لا مش حاسة إنك مركز معايا في إيه شكلك مش طبيعي.
بعدما استمتع يوسف ورحيل بحديث هادئ عن مشاريعها في العشاء شعر يوسف فجأة بحاجة للخروج قليلا. استأذنها بابتسامة خفيفة وقال هروح الحمام دقيقة وراجع.
راقبته رحيل وهو يبتعد لكن شيئا ما في طريقة مشيه في التوتر الطفيف في صوته جعلها تشعر أن هناك أمرا يشغل باله. لم تهتم كثيرا في البداية لكنها لم تستطع تجاهل الشعور الخفي بعدم الارتياح.
أما يوسف فبمجرد أن دخل إلى الحمام أخرج هاتفه بسرعة واتصل بيارا. دقات قلبه كانت تتسارع لكنه تظاهر بالهدوء. الهاتف رن مرة... مرتين... ثلاثا لكنها لم تجب.
زفر بضيق وأعاد المحاولة لكن الرد جاء برسالة قصيرة مشغولة حاليا هكلمك بعدين.
تشنج فكه وأغلق الهاتف شعر بقلق لم يفهم سببه أهو بسبب وجودها مع رجل آخر أم لأنه هو من بادر بالاتصال
غسل وجهه بسرعة ونظر لنفسه في المرآة محاولا استعادة هدوئه. ثم خرج متجها نحو
طاولته حيث كانت رحيل بانتظاره. جلست بتركيز وعندما رفعت نظرها إليه لاحظت شيئا غريبا في تعابير وجهه.
مالك سألته بلطف وهي تميل رأسها قليلا.
تردد يوسف للحظة لكنه سرعان ما ابتسم قائلا ولا حاجة يمكن بس حسيت بإرهاق بسيط.
رفعت حاجبيها لم تكن مقتنعة تماما لكنها قررت ألا تضغط عليه أكثر. رغم ذلك ظل هناك توتر خفي في الهواء بينهما وهو شيء لم تكن رحيل وحدها من تشعر به بل حتى يوسف نفسه.
جلس أمام رحيل التي كانت تراقبه بعينين ضيقتين قبل أن تعيد سؤاله متأكد إنك كويس
أومأ يوسف سريعا وقال بصوت بدا مصطنعا أيوة تمام.. نطلب الحساب
رفعت حاجبها بدهشة لسه بدري إيه مستعجل كده ليه
ابتسم يوسف ابتسامة مشدودة وقال حاسس بإرهاق.. الأفضل نرجع.
لم تكن رحيل مقتنعة لكنها لم تعلق. طلب يوسف الحساب بسرعة ثم وقف مستعجلا وهو ينظر حوله كأنه يبحث عن شيء أو بالأحرى كأنه يحاول تجنب رؤية شيء ما.
خرج الاثنان من المطعم وبينما كان يوسف يسير بجانبها متوترا لم تكن رحيل
تعلم أن عيناه كانتا تبحثان عن شخص معين.. شخص يخشى أن تراه رحيل في المكان الخطأ.
داخل السيارة كان الصمت هو سيد الموقف. جلست رحيل بجوار يوسف تراقبه بطرف عينها وهو يقود بسرعة تفوق المعتاد وكأن شيئا ما يطارده. لم تستطع كبح فضولها أكثر فسألته بصوت هادئ لكنه يحمل نفحة من الشك
يوسف في حاجة شكلك مش طبيعي.
أخذ يوسف نفسا عميقا يحاول إخفاء توتره لكنه لم ينجح تماما. رد بسرعة دون أن ينظر إليها
لا مفيش حاجة بس تعبان شوية من الشغل.
راقبته رحيل للحظات ثم أعادت نظرها للطريق. لم تكن مقتنعة تماما بإجابته لكنه لم يمنحها فرصة لمزيد من الأسئلة. أما هو فكان عقله مشوشا بالكامل.
ليه يارا كانت هناك هل فعلا عندها حد جديد في حياتها مستحيل.. دي كانت مستنية مكالمتي يعني كانت عاملة ده مخصوص عشان تستفزني! بس ليه عايزة توصل لإيه
ورحيل ... شكلها سعيدة إنها خرجت معايا ضحكتها دي وحكاياتها عن الشغل.. زمان كانت بتحكيلي عن أحلامها عن مشاريعها.. وأنا كنت
فخور بيها كنت بشجعها.. دلوقتي بقت بعيدة عني بتحكيلي كأنها بتحكي لحد غريب.. ليه حاسس إنها بتبعد أكتر
أنا مش عايز أخسرها.. بس كمان مش عارف أبعد عن يارا.. يارا جزء من الماضي اللي مش قادر أنساه ورحيل.. هي الحاضر اللي خاېف يضيع مني!
عندما توقفت السيارة أمام المنزل نزلت رحيل أولا دون أن تنتظر يوسف. فتحت الباب ودخلت بينما تبعها يوسف بعد
لحظات وكأن خطواته كانت مثقلة بأفكار مشوشة لا يريد لها أن تظهر.
كانت رحيل صامتة لكنها لم تستطع منع نفسها من إلقاء نظرة خاطفة عليه لاحظت كيف تجنب النظر في عينيها وكيف بدا وكأنه مستعجل للذهاب إلى غرفته.
رحيل بهدوء لكن بحدة خفية
في حاجة شغلاك من أول ما خرجنا من المطعم وأنت مش على طبيعتك.
رفع يوسف حاجبيه كأنه تفاجأ بسؤالها لكنه سرعان ما استعاد رباطة جأشه.
يوسف بابتسامة باهتة
لا مفيش.. بس شوية إرهاق من الشغل.
رحيل مراقبة إياه
إرهاق ولا حاجة تانية
هنا شعر يوسف بداخلها نبرة شك خفية لكنه لم يرد أن يفتح أي
باب جديد للنقاش.
يوسف يحاول إنهاء الحديث
رحيل بجد مفيش حاجة.. كان يوم طويل وأنا محتاج راحة.
لم تعلق رحيل فقط هزت رأسها ببطء لكنها لم تصدقه تماما. هناك شيء ما لا يريد قوله وهي لم تعد تثق بسهولة في كلماته كما كانت تفعل من قبل.
تركته ودخلت غرفتها بينما وقف يوسف للحظات مكانه ثم زفر بعمق قبل أن يتجه إلى غرفة اخرى هو الآخر لكنه لم يستطع النوم بسهولة لأن فكرة واحدة لم تفارقه لازم أعرف يارا كانت بتعمل إيه النهاردة.. وليه
بعدما دخل يوسف الغرفة أغلق الباب خلفه بهدوء لكنه لم يفتح الأنوار. رمى هاتفه على الطاولة ثم جلس على حافة السرير واضعا رأسه بين يديه. أفكاره تتلاطم بداخله ولم يكن يستطيع تجاهل ما رآه في المطعملم يستطع طرد صورة يارا وهي جالسة مع ذلك
الرجل من ذهنه. كان يحاول إقناع نفسه بأن الأمر لا