رواية وهم الرجوع بقلم روما عيسي


بحزن وهو يحاول أن يضع خطة في رأسه. كان يعلم أن رحيل قد قررت الرحيل ولكن قلبه كان ېصرخ بأن هناك فرصة ما فرصة يمكنه من خلالها إعادتها.
يوسف بشدة وعزيمة
لازم أرجعها. لازم أوريها إني كنت غلطان. لازم أبرر لها كل حاجة. مش هخسرها كمان.
نظر إلى البحر مرة أخرى وأخذ نفسا عميقا.
يوسف بصوت هادئ في نفسه
عشانها لازم أقاتل.
كانت تلك اللحظات التي شعر فيها يوسف بأنه يجب أن يحارب من أجل رحيل لا يهم كم كانت الأمور صعبة لأنه في النهاية هو من جعل كل شيء يتدمر وهو من يجب أن يعيد بناءه.
من ناحية أخرى.
رحيل كانت جالسة على طاولة في أحد المقاهي الصغيرة مع بعض زملائها الجدد في العمل. كانوا يتبادلون الحديث عن مشروعات العمل
والأشياء التي يحبون فعلها في وقت فراغهم. رحيل كانت في البداية متحفظة ولكن مع مرور الوقت بدأت تشعر بالراحة أكثر وسطهم.
حسن
إنت موهوبة حقيقية في هذا المجال يا رحيل. يمكننا الاستفادة منك في الكثير من الأمور هنا في الشركة.
رحيل ابتسمت قليلا ثم أخذت رشفة من عصيرها وهي تشعر بشعور جديد لم تعهده منذ فترة طويلة.
رحيل بتواضع
شكرا بس زي ما قلت لكم دايما بحاول أتعلم من كل تجربة.
مها
ما شاء الله بجد بنشوف فرق معاك في الشغل. إنت مش بس شاطرة كمان عندك طاقة إيجابية. ده حاجة نحتاجها في فريقنا.
رحيل جلست وتحدثت قليلا مع نفسها داخليا. كانت تدرك أنها لم تشعر بهذا الشعور منذ فترة طويلة. شعور بالإنجاز والاحترام من الآخرين وأيضا شعور بالفخر لأنها تمكنت من إعادة بناء نفسها بعد كل ما مرت به.
رحيللنفسها بصوت منخفض
الحمد لله أنا أخيرا قدرت أبدأ من جديد. ده كان القرار الصح.
ثم التفتت إلى زملائها مبتسمة.
رحيل
أنا سعيدة جدا بوجودي معاكم هنا. إحساسي إننا فريق واحد ده شيء
مهم لي.
حسن
وأنت السبب في إننا نشعر إن الفريق ده قوي.
رحيل شعرت بشعور من الفخر. بعد كل ما مر به بدأ يراودها الشعور بأنها تستطيع أن تبدأ حياة جديدة
حياة مستقلة عن كل شيء كان يقيدها.
رحيل في نفسها
أنا قوية. أقوى من أي وقت مضى.
ثم نزلت رأسها قليلا شعرت بالأمل والطمأنينة لأول مرة منذ فترة. الحياة بدأت تأخذ منحى جديدا بالنسبة لها. وعينها لمعت بالأمل.
وقفت قدماه على أرضية المطار الباردة يده تمسك بتذاكر الطائرة التي لا تحمل سوى حلما واحدا. كان قلبه ينبض بشدة وكأن الزمن توقف لحظة. صوت الإعلانات في المطار كان يتردد في أذنه ولكن كل شيء حوله أصبح ضبابيا. لم يكن يسمع سوى صوته الداخلي الذي ېصرخ لازم ترجع لرحيل... لازم.
عينيه كانتا تائهتين بين المسافرين يبحث عن شيء مجهول شيء مفقود. كل خطوة كان يأخذها نحو الطائرة كانت كخطوة نحو المستقبل المجهول. ولكن في قلبه كان يعرف أنه مهما كانت النتيجة لابد أن يحاول. لابد أن يتوقف عن التردد.
ما
ينفعش... مش هخسرها... مش هخسر كل حاجة عملتها معاها.
أخذ نفسا عميقا وهو يتذكر لحظات بينه وبين رحيل. الأيام التي كانت مليئة بالأمل والأحلام التي بناها معها. تذكر ضحكتها الكلمات التي قالتها له عندما كانوا معا وأهم من ذلك كله تذكر كيف كانت دائما بجانبه حتى في أصعب الأوقات.
وها هو الآن يركب الطائرة متجها إلى مكان لا يعرفه تماما إلا أن قلبه ېصرخ أن رحيل هناك. مهما كانت الطريقة مهما كانت التحديات كانت رحيل هي من يستحق أن يعود إليها.
هعمل المستحيل... لازم أرجعها. دي آخر فرصة.
أخذ يوسف مقعده في الطائرة وأغلق عينيه للحظة يغمض جفنه ويترك نفسه يسترجع كل ما حدث. هو يعرف أن كل شيء الآن في يديه. الوقت ضيق ولكن الأمل في قلبه كبير. وكأن الطائرة نفسها تقوده إلى مصيره الذي كان بعيدا لكنه الآن في متناوله.
كل ثانية كانت تمر كالعمر بالنسبة له كل دقيقة أقرب إلى رحيل. وكل لحظة كان يتخيل فيها كيف سيكون اللقاء وهل ستقبل منه
الاعتذار هل سيتقبل قلبها تلك الچروح التي تركها ولكن لا يهم لأنه على الأقل حاول.
كانت الطائرة تستعد للإقلاع والابتسامة على وجهه كانت مختلطة بالحزن والأمل والعزيمة. لأن في عقله لم يعد هناك شيء مستحيل.
النهاية.
بقلم رميسة
الخاتمة
كان يوسف يقف في صالة المطار تائها وسط الحشود وكل خطوة يخطوها كانت تسمع وكأنها تأتي من بعد بعيد. الهواء البارد القادم من المكيفات كان يلامس وجهه لكنه لم يشعر به. كان قلبه ينبض بسرعة غير عادية وكان عقله مشوشا بين مئات الأفكار التي تجتاحه.
في تلك اللحظة كانت عيناه تبحثان بين الوجوه كما لو أنه يبحث عن شيء ضاع منه منذ فترة طويلة. وضع أمامه خيار صعب لكنه كان عازما على اتخاذه.
لازم أروح وأصلح غلطاتي مهما كان الثمن قال يوسف لنفسه وهو ينفذ أنفاسا عميقة.
بينما كان يسير نحو بوابة الخروج كان قلبه يزداد ثقلا مع كل خطوة. كانت أفكاره تتزاحم أكثر. كيف ستكون أول كلمة يقوله لها هل ستسمح له بفرصة ثانية كيف سترد عليه بعد
كل تلك الايام من الألم
نظر إلى السماء وظهرت في ذهنه صورة رحيل وهي تقف أمامه حزينة ومتعبة ثم صورة ابنته وهي تداعب يديه بحب. كانت هذه اللحظات هي اللحظات الوحيدة التي جعلت قلبه يخفق بشكل مختلف.
أنا مديون ليهم. لازم أرجع وأصلح كل شيء حتى لو مفيش فرصة للرجوع.
فكر في كلمات رحيل الأخيرة قبل أن تذهب أنا بدأت حياة جديدة من غير كڈب وخېانة. وكانت تلك الكلمات تقبع في قلبه كچرح لا يمكن شفاءه بسهولة.
ولكنه قرر أن يحارب. قرر أن يعيد بناء كل شيء حتى وإن كان سيخسر كل شيء آخر في سبيل ذلك. لأنه في النهاية كانت رحيل وابنته هما كل شيء له.
وصل يوسف للعنوان اللي وصله من زميل قديم واقف قدام الباب اللي يمكن يكون وراه كل اللي ضاع أو يمكن بس الحقيقة اللي كان بيهرب منها.
ضغط الجرس وبينه وبين نفسه بيقول لو فتحت هقولها كل حاجة من قلبي حتى لو آخر مرة أشوفها.
كانت رحيل واقفة أمام نافذة شقتها
في المدينة الجديدة التي انتقلت إليها تحاول أن تتأقلم مع كل شيء جديد حولها. أما في قلبها فكانت هناك حالة من الهدوء الذي لم تشعر به منذ سنوات رغم أن الذكريات كانت تلاحقها بين الحين والآخر. كانت قد قررت أن تبدأ حياة جديدة حياة بعيدة عن كل ما جرحها حياة واضحة ونقية كما قالت لنفسها.
بينما هي في صمتها جاء صوت الباب يطرق وكان الصوت مألوفا للغاية لدرجة أنها شعرت بشيء ما يربطها بتلك اللحظة. ترددت للحظة ثم قررت أن تفتح الباب.
في اللحظة التي فتحت فيها الباب كانت الطفلة الصغيرة تركض نحوها تقول 
بابااا!!
قلبها سقط في معدتها. هذا الصوت هذا الشعور جعلها تشعر بشيء غير قابل للتفسير. لحظة بين الحقيقة والوهم بين الماضي والمستقبل.
يوسف دخل بهدوء وأخذ ابنته بين ذراعيه فابتسمت الطفلة في سعادة وهو يضمها إلى صدره. نظرات رحيل كانت ثابتة لا تعبيرات
واضحة ولكن قلبها كان ينبض بشدة. كان يسير نحوها ببطء وقال لها بصوت هادئ 
مكنتش هقدر أعيش من غير ما
أشوفك ومن غير ما أقولك إنك كنت دايما الأهم.
رحيل ردت بصوت مملوء بالثقة رغم كل شيء 
يوسف أنا مشيت عشان أبدأ من جديد... مشيت عشان أنقذ نفسي من دوامة كنت بتغرقني كل يوم. إنت جيت ليه دلوقتي
جيت لأنك الوحيدة اللي حسيت بقيمتها لما بعدت... لأنك الوحيدة اللي كانت دايما جنبي وأنا كنت أعمى.
أنا بدأت حياة جديدة من غير كڈب ولا خېانة ولا خداع. حياة واضحة ونضيفة حياة مليانة راحة وكرامة كنت محتاجاهم من زمان.
أنا اتغيرت والله... كل يوم من غيرك علمني حاجة وعلمني أنا كنت قد إيه ظالمك... بس لو في ذرة أمل فرصة صغيرة... مستعد أستناها طول العمر.
لم يكن هناك أي نوع من الڠضب في صوتها بل كانت كلماتها نابعة من قوة داخلية كانت قد اكتسبتها من سنوات من الألم والتجارب الصعبة. عرفت تماما ما تريده في حياتها الآن وكيف لا يمكن لأي شخص أن يدمر هذا السلام الداخلي الذي زرعته.
ولكن عيناها لم تفارقا ابنتهما الصغيرة التي كانت تسحب يد
يوسف وكأنها لا تريد أن تبتعد عنه. لحظة صمت ثم تابعت 
أنا مش هرجع لحياة تعبتني بس بس عشان مصلحة بنتي أنا مش همنعها تشوف أبوها أنا مش هحرمها من إحساس الأب ولا هخليها تكبر وهي حاسة إن في حاجة ناقصة... هي محتاجاك أنا مش هحرمها منك.
القرار ده مش لقلبي بس ده لمستقبلي ومستقبلها.
يوسف نظر إليها وعيناه مليئة بالندم. ثم نظر إلى ابنته التي كانت تبتسم له وتحاول أن تقنعه بوجوده في حياتها. فقال بصوت منخفض وكأن كل جزء من نفسه ېصرخ من الداخل لندمه.
أنا ندمان على كل لحظة بعدتنا عن بعض... وحشتيني إنتي وبنتي وحشتني ضحكتها وحضنها أنا يمكن ضيعتكم زمان بس النهارده مستعد أعمل أي حاجة عشان ترجعولي عشان نكون عيلة من تاني.
بنتهم الصغيرة التي كانت تراقب المشهد اقتربت منه وقالت بصوت بريء 
بابا مش هتسبنا تاني صح
يوسف نظر إلى رحيل بنظرة مليئة بالعزم وقال 
عمري ما هسيبكم تاني ده وعد.
وأنا هفضل أحارب عشانكم هفضل أجاهد علشان أكون جزء من حياتكم.
مهما كان الطريق صعب مش هسيبكم تاني ده وعد مني.
رحيل لم ترد لكن نظرت إلى عينيه لفترة طويلة وكأنها تقرأ كل شيء في عمقه. كانت عيونها مليئة بالدموع ولكنها لم تخرج كانت دموع بداية جديدة. بداية يمكن أن تعني أملا جديدا أو ربما مجرد مسار جديد نحو حياة مختلفة. ربما تكون هناك مساحة جديدة لتسامح ولكن هل هي مستعدة حقا لذلك
ومع تلك اللحظة توقفت كل الكلمات ولم يتبق إلا
الصمت الذي يحمل بين طياته الأمل والحيرة.
بينما هو يقف أمامها تذكرت رحيل كل تلك اللحظات التي مرت بها وكل شيء وقع بينهما. ولكن لم ترد أن تعيش في الماضي بعد الآن. كان قلبها قد بدأ يتغير وتعلمت أن الحياة تحتاج دائما للمضي قدما.
وفي النهاية ربما كانت هي مثلما كانت في السابق تسير على طريقها ولكن هذه المرة بشجاعة أكبر.
ولكن هناك شيئا واحدا لم تتوقعه وهو أن يوسف حتى وإن قرر المضي في حياته سيظل يحارب من أجلهم ومن أجل هذه العائلة.
مش دايما
بنقدر نرجع اللي ضاع ولا نداوي كل اللي انكسر...
بس في لحظة ممكن قرار واحد يغير كل حاجة.
يوسف قرر يحارب لآخر نفس و رحيل قررت تختار نفسها لأول مرة.
الطريق بينهم ماكنش سهل ولا مضمون... بس
كان في حب وكان في ۏجع وكان فيه حكاية لسه ما خلصتش.
يمكن يتقابلوا... يمكن لأ.
بس اللي أكيد إن كل واحد فيهم هيفضل يشيل جواه حتة من التاني.
ودي كانت وهم الرجوع...
ويمكن في وهم الرجوع نكتشف إن الرجوع الحقيقي بيبدأ من قرار الرحيل.
النهاية.
بقلم رميسة