رواية وهم الرجوع بقلم روما عيسي


تنظر إليه للحظة وكأنها تنتظر شيئا منه لكنه لا يقول شيئا. فتتنهد وتبدأ في الابتعاد تاركة إياه مع أفكاره وهو يدرك أن صمتها لم يكن ضعفا بل بداية النهاية.
يوسف يقف في مكانه يشعر بأن الكلمات التي قالها لم تكن كافية وأنه قد يفقد رحيل بالفعل هذه المرة. لا لا يستطيع تركها تذهب بهذه السهولة. يركض خلفها مجددا يقف أمامها ليمنعها من التقدم.
يوسف بصوت متوسل رحيل استني... متسيبنيش كده إنت عارفة انك غالية عندي أوي أكتر مما تتخيلي.
رحيل تنظر إليه عيناها تحملان ألما عميقا لكنها تحاول أن تبقى قوية.
رحيل بصوت منخفض لكن حاسم غالية عندك بس مش كفاية عشان تصون وجودي في حياتك.
يوسف باندفاع لا! إنت أهم حاجة في حياتي ومش عايز أخسرك... مش
هسمح لك تبعدي عني بسبب حاجة فيها سوء تفاهم.
رحيل تضحك بسخرية حزينة.
رحيل سوء تفاهم يوسف أنت اللي خليت الشك يملاني... وأنا مش قادرة أعيش في الدوامة دي تاني.
يوسف يمسك بيدها بحنان يحاول أن يبحث في عينيها عن أي أمل.
يوسف رحيل أنا غلطت... وعارف إني غلطت بس صدقيني كل حاجة عملتها كانت بدافع خۏفي على علاقتنا. إنت أغلى حاجة عندي ولو فقدتك مش هبقى يوسف اللي تعرفيه.
رحيل تتنهد تحاول كبح دموعها لكنها تضع يدها على يده برفق ثم تسحبها ببطء.
رحيل بهدوء مؤلم أنا مش محتاجة كلام يوسف... أنا محتاجة أحس وأنا مش حاسة إنك فاهم معنى وجودي في حياتك لحد دلوقتي.
ثم تستدير وتكمل طريقها إلى المنزل تاركة يوسف خلفها يشعر بأن محاولاته لاسترضائها لم تكن كافية... وأنه ربما هذه المرة عليه أن يفعل أكثر من مجرد الكلام.
جلس يوسف في سيارته يحدق في اللا شيء بينما أصابعه تعبث بعجلة القيادة بلا وعي. كان عقله يعج بأصوات متداخلة صوت رحيل الممتلئ بالخذلان وصدى
كلماته المتعثرة وهو يحاول تبرير موقفه ثم صوت يارا الناعم الذي حمل في نبرته شيئا لم يستطع تحديده هل كان ټهديدا أم استغاثة
تنهد بعمق وأراح رأسه على المقعد. لماذا يشعر وكأن كل الطرق أصبحت مسدودة لم يكن ينوي أن تتعقد الأمور هكذا. لم يكن يريد أن يخسر رحيل لكنه أيضا لم يستطع محو يارا تماما من حياته وكأنها ظل يطارده مهما حاول الفكاك منه.
فجأة يرن هاتفه... ينظر إلى الشاشة إنها رسالة من يارا.
يارا يوسف عايزة أشوفك ضروري في حاجة لازم تعرفها.
يوسف ينظر إلى الرسالة عقله يخبره بأن يبتعد لكن قلبه مليء بالارتباك... هل يقابلها وهل يمكن أن يكون هذا اللقاء بداية لاڼهيار أكبر!
ظل يوسف ممسكا بالمقود تتصارع في رأسه آلاف الأفكار... لماذا يارا مصرة على رؤيته الآن ولماذا بدا صوتها بهذه الجدية لم يكن أمامه سوى أن يعرف الحقيقة بنفسه. أدار المحرك وانطلق... دون أن يدرك أن هذه الليلة ستحمل له صدمة لم يكن مستعدا لها.
أنا جاي.
مع كل حرف نطقه
شعر وكأنه يفتح بابا لن يتمكن من إغلاقه بسهولة.
الفصل السابع بين اللقاء و الغياب
كانت الليلة هادئة بشكل مخيف فقط صوت أنفاسه المتوترة يملأ السيارة. يوسف كان مترددا وهو يقود سيارته الى منزل يارا.
لقد أقسم على نفسه أن لا يعود لهذا المكان لكن المكالمة التي تلقاها منها قلبت كل شيء. لم تخبره بالكثير فقط قالت بصوت مضطرب
يوسف لازم تيجي حالا الأمر ضروري!
كان في صوتها شيء أربكه لكن رغم ذلك لم يسألها عن التفاصيل فقط أغلق الهاتف وجاء. والآن وهو جالس في سيارته مترددا لم يكن يعلم إن كان قراره هذا صائبا أم لا.
كان الليل قد انتصف والهدوء يلف الشوارع الخالية إلا من أضواء السيارات المتناثرة هنا وهناك. على أحد الأرصفة توقفت سيارة يوسف أمام منزل يارا لكنه لم يترجل منها فورا. أصابعه كانت تضغط على المقود بقوة بينما عيناه تحدقان في باب المنزل وكأنه ينتظر إشارة ما لتخبره إن كان عليه الدخول أم لا
تنهد بعمق أخرج هاتفه ونظر إلى شاشته للحظة
وكأنه يتوقع أن يجد رسالة من رحيل زوجته لكنه لم يجد شيئا. ربما كانت نائمة أو ربما لم تكن تهتم لمكانه في هذه اللحظة. هز رأسه محاولا طرد هذه الأفكار ثم أخيرا فتح باب السيارة ونزل.
وقف يوسف أمام باب منزل يارا يضغط أصابعه بتوتر حول هاتفه. لم يكن يريد الدخول لم يكن يريد حتى أن يكون هنا لكنه لم يستطع تجاهل قلقه عندما سمع صوتها المتوتر في الهاتف. تنهد بعمق رفع يده ليطرق الباب لكنه توقف لثانية وكأنه يمنح نفسه فرصة أخيرة للتراجع.
كانت يارا تراقب من النافذة وبمجرد أن لمحته يتقدم نحو الباب أسرعت لفتحه قبل أن يطرق. وقفت أمامه بثوب منزلي بسيط لكن عينيها كانتا مرهقتين وكأنها لم تنم منذ أيام.
يوسف بنتك مريضة عندها حرارة عالية ومش راضية تاكل أي حاجة.
شعر بقلبه ينقبض مر من جوارها دون أن ينبس بكلمة واتجه مباشرة إلى الداخل عارفا طريقه جيدا إلى غرفة الصغيرة. وما إن فتح الباب حتى وجدها مستلقية تحت الغطاء
جبينها متعرق وخدودها متوردة بفعل الحمى بينما عيناها نصف مغمضتين من التعب.
اقترب منها جلس بجانبها وأمسك يدها الصغيرة ففتحت عينيها بصعوبة وما إن رأته حتى تمتمت بصوت ضعيف
بابا
يوسف بقلق حبيبتي إنت كويسة
لم ترد الصغيرة فقط مدت ذراعيها نحوه بتعب فحملها بحنان
شعر پانكسار داخلي وهو يراها بهذه الحالة. لم يتردد أكثر الټفت نحو يارا قائلا بحزم
لبسيها بسرعة هنروح للطبيب.
لم تجادله فقط تحركت بسرعة لإحضار معطفها ومعطف الطفلة وقبل أن تمر عشر دقائق كانوا قد غادروا المنزل متجهين إلى المستشفى.
يوسف كان يقود بصمت عيناه تراقبان الطريق لكن ذهنه كان مشتتا. من حين لآخر كان يلقي نظرات سريعة عبر المرآة على الصغيرة التي كانت مستندة على المقعد
الخلفي تغلق عينيها وتفتحهما بتعب.
يارا التي كانت تجلس بجانبه استغلت الصمت بينهما لتتكلم بصوت منخفض
عارفة إنك مكنتش عايز تيجي بس بنتك محتاجاك يوسف.
لم يرد فقط ضغط على المقود بقوة أكبر. لم يكن يريد الحديث الآن كل ما كان يهمه هو أن يطمئن على طفلته.
وصلوا إلى المستشفى
أخيرا وأسرع يوسف بحمل الصغيرة إلى الداخل حيث تم فحصها من قبل الطبيب. وبعد دقائق من الانتظار
فحص الطبيب الطفلة بدقة ثم كتب لها دواء خافضا للحرارة ونصائح للعناية بها.
الطبيب مفيش حاجة خطېرة بس خليها ترتاح وتشرب سوائل كتير وأعطاهم بعض الأدوية.
يوسف تنفس الصعداء لكن ابنته لم تترك يده تشبثت به كأنها تخشى أن يختفي من جديد.
شعر يوسف بالراحة أخيرا ثم حمل طفلته إلى السيارة بينما يارا ظلت صامتة وكأنها تخطط لشيء.
وعند خروجهما من العيادة وركوب السيارة كانت الصغيرة هادئة لبعض الوقت ثم نظرت إليه بعينيها البريئتين وقالت بصوت متوسل
الطفلة بابا... أنا نفسي نتعشى مع بعض النهاردة زي زمان.
تجمدت يده على المقود والټفت إليها بدهشة ثم نظر إلى يارا التي ظلت صامتة لكن على وجهها ابتسامة خفية.
يوسف بتردد حبيبتي إحنا لسه راجعين من العيادة لازم ترتاحي.
الطفلة بتوسل بابا بليز... عايزة أقعد معك شوية.
نظر إليها يوسف ثم زفر بتعب يعرف أنه لا يستطيع رفضها لكنه شعر بشيء من الضيق كأنه وقع في
فخ دون أن يدرك ذلك.
يوسف طيب بس هنقعد شوية صغيرين.
ابتسمت الطفلة بحماس بينما نظرت يارا ليوسف نظرة انتصار خفية.
في نفس اللحظة
كانت الليلة مختلفة عن كل الليالي السابقة. قلبها ينبض بشعور متناقض بين الأمل والخۏف وبين الرغبة في إعادة بناء ما تهدم وبين الحذر من تكرار الخذلان.
كانت رحيل قد قررت أن تمنحه فرصة جديدة. كانت تعلم أن الشك لم يغادرها لكنها أرادت المحاولة أرادت أن ترى إن كان ما بينهما يستحق القتال من أجلهلم تكن متأكدة من قرارها لكنها أرادت أن تمنح يوسف فرصة فرصة أخيرة ربما لتصديق أنه لا يزال يستحق حبها.
وقفت أمام المرآة تتفقد إطلالتها بعينين تحملان بريقا لم تره منذ فترة طويلة. اختارت فستانا بسيطا لكنه أنيق زينت وجهها بلمسات خفيفة من المكياج ورفعت شعرها بطريقة ناعمة وكأنها تستعد للقاء كان يجب أن يحدث منذ زمن.
نظرت إلى انعكاسها في المرآة وسألت نفسها بصوت خاڤت
هل سيفرح عندما يراني هكذا هل سيشعر أنني بذلت جهدي لأجله أم أنني فقط أعيش
وهما آخر
أغمضت عينيها لثانية محاولة طرد الأفكار السلبية ثم أخذت نفسا عميقا واتجهت إلى طاولة العشاء التي أعدتها بنفسها.
المكان كان ينبض بالرومانسية.
أضواء خاڤتة شموع متناثرة بعناية موسيقى هادئة تتسلل في الأجواء والطاولة مزينة بأطباق مرتبة بعناية تحمل الأكلات التي تعلم أن يوسف يحبها.
جلست على الكرسي وعيناها تراقبان عقارب الساعة التي تتحرك ببطء
شديد وكأنها تعاند انتظارها.
سيأتي لا بد أنه في طريقه الآن
همست لنفسها بهذه الكلمات محاولة إقناع قلبها القلق بأن هذه المرة ستكون مختلفة. لكنها لم تستطع تجاهل ذاك الصوت الصغير في عقلها الذي يهمس لها
وماذا لو لم يأت ماذا لو خذلك مرة أخرى
مرت عشر دقائق ثم عشرون ثم نصف ساعة ولا يزال الهاتف صامتا بلا رسائل بلا اتصالات بلا أي إشارة تدل على اقتراب قدومه.
بدأت رحيل تفقد صبرها حملت هاتفها وترددت للحظة قبل أن تتصل به. وضعت الهاتف على أذنها وانتظرت انتظرت رنينا يطمئنها لكن بدلا من ذلك جاءها صوت آلي بارد
عذرا الرقم الذي طلبته غير متاح حاليا يرجى المحاولة
لاحقا.
غير متاح!
خفضت الهاتف ببطء ورفعت عينيها إلى الطاولة التي أعدتها بكل حب ثم إلى الشموع التي بدأت تذوبوالطعام برد وكأنها تعكس ما تشعر به في هذه اللحظة.
هل كانت ساذجة هل كانت تعيش في وهم أنها يمكن أن تستعيده
نهضت من مكانها ببطء أطفأت الموسيقى ثم جلست على الأريكة وعيناها تتعلقان بالباب وكأنها تنتظر أن ينفتح في أي لحظة أن يدخل يوسف معتذرا أن يخبرها بأن هناك سببا منطقيا لهذا التأخير.
لكن الحقيقة أن يوسف لم يكن في طريقه إليها. كان في مكان آخر تماما وكان يقضي تلك الليلة مع شخص آخر.
لكن يوسف لم يكن يعلم شيئا عن ذلك. بل كان في مكان آخر تماما مع يارا وابنتهما دون أن يدرك أن هذه الليلة ستحمل له صدمة لم يكن مستعدا لها
بقلم رميسة
الفصل الثامن حقيقة في صورة
جلست رحيل في غرفة الطعام تطالع الطاولة التي رتبتها بعناية. الأضواء خاڤتة الشموع تضيء بنعومة والأطباق موضوعة بشكل أنيق. كانت قد أعدت عشاء رومانسيا خصيصا ليوسف أرادت أن
تقضي معه ليلة هادئة تعيد بعض الدفء إلى علاقتهما.
مرت الدقائق ثم الساعات وهي تنتظر هاتفها بجانبها تنظر إليه بين الحين والآخر علها ترى إشعارا باتصال منه رسالة أي شيء يخبرها أنه قادم. لكنه لم يأت.
حاولت أن تجد له عذرا ربما تأخر في العمل ربما حدث
شيء طارئ لكن كلما