رواية وهم الرجوع بقلم روما عيسي


عن موضوع شغلك... إنت متأكدة إنك عاوزة ترجعي
نظرت إليه بتركيز وكأنها كانت تتوقع هذا الحديث.
رحيل بحزم يوسف أنا مش محتاجة حد يقولي أنا عاوزة إيه. أنا قررت وهشتغل.
يوسف بتوتر أنا مش ضدك بس إنت كنت مرتاحة في البيت ليه فجأة عاوزة ترجعي
رحيل تنظر بعيدا لأني تعبت من إني أبقى بس في البيت مستنية حاسة إني لازم أرجع لنفسي لحياتي
قبل الجواز.
تضايق يوسف من كلماتها شعر وكأنها تقول إنها لم تعد تجد نفسها معه.
يوسف بهدوء لكن بعصبية داخلية يعني أنا اللي حبستك عمري ما قلتلك متشتغليش إنت اللي قررت تسيبي شغلك بعد الجواز.
رحيل بصوت منخفض لكنه قوي لأن وقتها كنت فاكرة إن حياتي الجديدة معاك هتكون كافية... بس دلوقتي حاسة إن محتاجة أكتر.
كان بإمكان يوسف أن يشعر بأنها تبتعد أكثر وكأنها تضع مسافة بينهما لا يستطيع تجاوزها.
لم يجد يوسف ردا لكنه شعر أن محاولاته لمنعها لن تجدي نفعا وأن رحيل مصممة على هذا القرار.
ظلت كلمات ليلى تتردد في ذهن رحيل طوال الليل حتى قررت أنها لن تؤجل الأمر أكثر. بحثت في هاتفها عن رقم مديرها السابق تواصلت معه وبالفعل حصلت على فرصة للعودة إلى شركتها القديمة كمصممة ديكور بنفس الشغف الذي بدأته به يوما.
كان الصباح مختلفا هذه المرة في منزل يوسف ورحيل ليس فقط بسبب الأجواء المتوترة التي خيمت عليه منذ الليلة الماضية بل لأن رحيل كانت تستعد للخروج بعد
فترة طويلة من البقاء في المنزل. وقفت أمام المرآة ترتب ملابسها لم تكن هذه المرة مجرد خروجة عادية بل كانت بداية جديدة... عودة للعمل بعد سنوات من التوقف.
جلس يوسف يتأمل رحيل التي كانت تستعد للخروج إلى عملها الجديد ترتدي ملابس أنيقة وتضع لمسات بسيطة من المكياج شيء لم يعتد عليه منذ زواجهما. كانت تبدو سعيدة متحمسة وكأنها استعادت جزءا من ذاتها التي تناستها منذ سنوات.
لم يكن قرارا سهلا عليها لكنها شعرت أنها تحتاج إلى خطوة تعيد لها جزءا من ذاتها التي تناستها منذ زواجها. التفتت نحو حقيبتها وضعت فيها بعض الأوراق والدفاتر وقبل أن تخرج سمعت صوت يوسف من خلفها.
يوسف وهو يراقبها باهتمام بجد مش مستوعب إنك خلاص راجعة الشغل... مكنتش متوقع إن القرار ده هيكون فجأة كده!
رحيل بهدوء وهي تحمل حقيبتها مكنش فجأة يمكن أنت اللي مكنتش واخد بالك...
الشغل ده كان دايما جزء مني وزي ما قلتلك محتاجة أرجع لنفسي شوية.
نظر إليها يوسف نظرة غريبة لم يكن رافضا
لفكرة عملها لكنه شعر أن هناك شيئا يتغير وكأن المسافة بينهما بدأت تتسع دون أن يدرك كيف لم يكن هذا مجرد عمل بل بداية تغيير لم يكن مستعدا له.
دخلت المربية بابتسامة دافئة حملت الطفلة التي كانت تحتضن دميتها الصغيرة ونظرت لأسيل قائلة
المربية متقلقيش هنبقى تمام وهبعتلك صورها أول ما تصحى.
رحيل مبتسمة وهي تقترب لتقبل ابنتها كوني شطورة ماما وبابا هيرجعوا بدري.
يوسف وهو يربت على رأس الطفلة اسمعي كلام ناني وهجيبلك مفاجأة وأنا راجع.
ابتسمت الطفلة وهي تلوح لهما بينما غادرا المنزل معا كل واحد منهما غارق في أفكاره حول اليوم الجديد الذي ينتظرهم.
بعد سنوات من ترك العمل لم تتوقع رحيل أن تعود إلى شركتها القديمة أن تعود إلى نفس الأجواء التي اعتادت عليها قبل زواجها. شعرت بمزيج من الحنين والخۏف. وكأنها تستعيد ذكريات قديمة كانت مدفونة.
وقفت رحيل أمام مبنى الشركة تنظر إليه وكأنه عالم غريب كانت تعرفه يوما لكنها الآن تشعر وكأنها تزوره للمرة الأولى. أخذت نفسا عميقا شدت على حقيبتها
ثم تقدمت بخطوات ثابتة نحو المدخل. كل خطوة تخطوها كانت تسترجع معها ذكريات عملها السابق اللحظات التي قضتها بين المكاتب والمشاريع والاجتماعات التي كانت تمتلئ بالحماس والتحدي.
في الداخل كان الجو مألوفا لكنه يحمل بعض التغييرات. مرت بنظرات زملاء لم تتعرف على بعضهم بينما آخرون ألقوا عليها التحية بابتسامات دافئة. قبل أن تتمكن من استيعاب كل شيء وجدت ليلى تندفع نحوها بحماس واضح تعانقها بسعادة.
ليلى بحماس شديد وأخيرا! رجعتي تاني لعالمنا! كنت مستنية اليوم ده بقالنا كتير.
رحيل تضحك بتوتر بصراحة مش قادرة أصدق إني هنا تاني... المكان كله حاساه غريب شوية.
ليلى تمسك يدها وتسحبها معها طبيعي غيبتي فترة طويلة بس متقلقيش هترجعي تتعودي بسرعة. أول حاجة لازم أوريكي إيه اللي اتغير وبعدها نروح نشوف مكتبك الجديد.
بدأت ليلى تأخذها في جولة داخل الشركة تشرح لها التحديثات التي طرأت على المكان وكيف أن الفريق تغير بعض الشيء لكن الأجواء بقيت كما هي. في الطريق التقت رحيل ببعض الزملاء القدامى الذين استقبلوها بحفاوة واضحة.
نور
بابتسامة ودودة رحيل! مستحيل! رجعتي تاني والله نورتي المكان!
رحيل تبتسم بخجل الله يخليك حقيقي وحشتوني كلكم.
استمرت الجولة حتى وصلت إلى مكتبها الجديد حيث جلست على الكرسي تحاول استيعاب أن هذا المكان عاد ليكون جزءا من حياتها مجددا. تنهدت بهدوء وهي تشعر بمزيج من الراحة والقلق.
كانت منهمكة في ترتيب بعض الأوراق عندما سمعت صوتا مألوفا من خلفها
مش معقول... رحيل!
التفتت بسرعة لتجد محمود زميلها القديم يقف أمامها بابتسامة عريضة. لم يتغير كثيرا لا زال بنفس الملامح الجادة لكن مع لمحة ودودة في
عينيه.
كان محمود زميلا قديما وكان بينهما علاقة صداقة قوية في الماضي لكن حديثهما البسيط جعلهما يشعران وكأن الوقت لم يمر.
رحيل مندهشة محمود! بجد مش مصدقة إنك لسه هنا!
محمود ضاحكا وأنا مش مصدق إنك رجعتي! كنت فاكر إنك خلاص ودعت المجال بعد الجواز!
رحيل تبتسم بخفة آه كنت فاكرة كده برضو بس واضح إن الحياة دايما ليها رأي تاني.
جلس محمود على الكرسي المقابل لها ينظر إليها باهتمام.
محمود أنا فاكر قد إيه كنت
متميزة وأفكارك كانت دايما مختلفة. زمان لما كنت بتدخلي أي مشروع كان كله بيتغير. بجد رجوعك هيكون إضافة كبيرة لينا.
رحيل بهدوء ده اللي أنا عاوزاه... عاوزة أحس إني بعمل حاجة لنفسي إني مش مجرد حد قاعد في البيت مستني أي حاجة تحصل.
محمود ينظر إليها بتركيز إنت كويسة صح
ترددت قليلا قبل أن تجيب وكأن السؤال لمس جزءا حساسا داخلها.
رحيل بابتسامة خفيفة لكنها مرهقة أنا بحاول.
نظر إليها محمود وكأنه يفهم أكثر مما تقوله كلماتها لكنه لم يضغط عليها أكثر.
محمود المهم إحنا عندنا مشروع جديد وعاوزين حد يشتغل عليه من البداية إيه رأيك تكوني المسؤولة عنه
رحيل بعيون متحمسة بجد! ده هيكون بداية قوية جدا بالنسبة لي!
شعرت رحيل بحماس لم تشعر به منذ زمن وأدركت أن قرار العودة لم يكن مجرد هروب من مشاكلها مع يوسف بل خطوة حقيقية لاستعادة ذاتها.
في هذه الأثناء كان يوسف في مكتبه لكنه لم يكن يركز على أي شيء. كان فكره مشغولا برحيل بقرارها المفاجئ بالعودة للعمل وبالتغيير الذي
بدأ يلاحظه عليها. كان يحاول التركيز في الأوراق أمامه لكن صورة رحيل وهي تبتسم بحماس لم تفارق ذهنه.
هي ليه بتبعد بالشكل ده هل انا السبب في ذلك 
لم يكن غاضبا من قرارها لكنه شعر أن شيئا ما بدأ يتغير وكأنه لم يعد الأولوية في حياتها. كان هذا الشعور جديدا عليه ولم يعرف كيف يتعامل معه.
قطع تفكيره صوت هاتفه نظرة سريعة على الشاشة جعلته يتردد قبل الرد... كانت يارا.
يوسف ببرود خير في حاجة
يارا بصوت ناعم متقلقش مش هعطلك بس كنت حابة أقولك إن بنتك سألت عليك الصبح وهي كانت مبسوطة قوي لما خرجنا امبارح... تفتكر مش مستاهلة إننا نكون مع بعض كعيلة من تاني
ضغط يوسف على أسنانه شعر أنها تحاول استغلال أي ثغرة بينه وبين رحيل.
يوسف يارا أنا متجوز واللي حصل امبارح كان مجرد حاجة تخص بنتي مفيش أي حاجة تانية بينا.
يارا بابتسامة خفيفة وكأنها لا تصدقه لو بتقول كده علشان نفسك تقتنع فأنت حر... بس في الآخر اللي بينا عمره ما
كان مجرد حاجة وانتهت.
بس تفتكر فعلا اللي بينا انتهى
أغمض يوسف عينيه محاولا السيطرة على أعصابه لكنه شعر أن يارا تعرف كيف تضغط على نقاط ضعفه.
يوسف يارا بلاش الحوارات دي.
يارا بهدوء أنا مش بضغط عليك بس أوقات بحس إنك مش عارف إنت عاوز إيه.
أنهى يوسف المكالمة وهو يشعر بضغط أكبر مما كان عليه لكنه تجاهل الأمر وقرر التركيز على يومه.
أغلق يوسف الهاتف وهو يشعر بتوتر غريب وكأن يارا نجحت في زرع بذرة شك في داخله. هل فعلا رحيل بدأت تبتعد وهل هو السبب!
بقلم رميسة
الفصل الثالث عشر ترقب وحنين
بعدما أنهت يارا مكالمتها مع يوسف ظلت تمسك بهاتفها لثوان وعقلها يعمل بسرعة. كانت نبرته مترددة وكلماته حذرة لكنه لم يغلق الباب تماما... وهذا يعني أن لديها فرصة.
وضعت الهاتف على الطاولة وأسندت ظهرها إلى الأريكة بينما عيناها تلمعان بأفكار متشابكة. يوسف لا يزال مترددا وهذا يعني أنه لم ينسها بالكامل أو على الأقل لا يزال هناك جزء منه يشعر بالضعف تجاهها. لكن رحيل... رحيل
أصبحت عقبة في طريقها والوقت ليس في صالحها.
نهضت من مكانها وبدأت تمشي في الغرفة ذهابا وإيابا تفكر في خطوتها القادمة. لا يمكنها الانتظار أكثر يجب أن تكون ذكية هذه المرة أن تختار الطريقة الصحيحة لإبعاد رحيل عن يوسف دون أن تدفعه للنفور منها.
ابتسمت بخبث وهي تهمس لنفسها
لو يوسف مش عارف يقرر أنا هقرر له بنفسيكل اللي فات كان مجرد بداية..
جلس يوسف في الصالة ينظر إلى ساعته للمرة العاشرة خلال نصف ساعة. كان قد أنهى عمله وعاد للمنزل ليجد نفسه وحيدا والصمت يملأ المكان. لم يكن هذا هو المعتاد. لطالما كانت رحيل في انتظاره تسأله عن يومه تحضر له الطعام تشاركه الأحاديث العفوية. لكنه الآن وحده وهي في الخارج تعمل تستعيد حياتها التي كان يظن أنها أصبحت تدور حوله فقط.
شعر بانزعاج لم يستطع تفسيره وكأن جزءا من عالمه أصبح خارج سيطرته. منذ أن قررت العودة للعمل بدأت تتغير تبتعد عنه شيئا فشيئا. كان يدرك أنها لم تعد نفس المرأة التي كانت
قبل شهور تلك التي كانت تنتظر اهتمامه وكلماته. الآن لم تعد بحاجة له كما كان يظن.
حاول إقناع نفسه أن ما تفعله أمر طبيعي أنها تريد فقط أن تشغل وقتها لكنه لم يستطع الهروب من شعور الغيرة. هل التقت بزملاء قدامى هل وجدت في العمل ما لم يعد يجده هو في حياتها ولماذا يشعر أن وجوده لم يعد الأولوية بالنسبة لها
نهض من مكانه جال في الشقة بتوتر ثم عاد وجلس مجددا واضعا رأسه بين يديه. لم يكن يريد الاعتراف بذلك لكنه خائڤ... خائڤ من أن يكون قد بدأ يفقدها حقا.
في نهاية اليوم وبعد ساعات من العمل والتأقلم
وجدت نفسها تستعد للعودة إلى المنزل. وهي تسير