رواية لولا التتيم (الفصل السادس إلى الحادي عشر) بقلم ناهد خالد


فيها هو كان علمي رياضة وأنت كنت علمي علوم!
رفرفت بأهدابها ببراءة وهي تجيبه
_ ماهو يا حبيبي الفيزيا والكميا كانوا مشتركين بينا.. وانا بقى مكنتش افهم فيهم حاجه خالص وبيدو كان شاطر فيهم..
اقترب خطوتان حتى أمسك بكتف عباءتها ليرفعه لأعلى مغمغما بحدة
_ بيدو مين يا بت.. صفية اتظبط أنا على أخري!
رفعت حاجبيها بدهشة وهي تردد بأعين متسعة
_ بت! وبتمد ايدك علي كمان! بعدين أنا لساني واخد على بيدو دي من زمان بتطلع ڠصب عني.
أبعد يده عنها بتهكم قائلا
_ متعشيش الدور ايدي ايه الي بمدها عليك! وبعدين مفيش حاجة اسمها متعودة.
ضاقت ذرعا منه فزفرت بضيق وقالت
_ خلاص يا چو بقى يلا نطلع عشان نتغدى.
سبقته ليأخذ نفسا عميقا قبل أن يتبعها وهو يدعو الله سرا ألا يفقد أعصابه عليهما.
انتهى الغداء بمدح بدر لطعام صفية كالعادة وبعض المرح بين الجميع وخاصة الصغير يونس الذي بدى ندا آخر لبدر.. انتهى الطعام بسلام وصنعت صفية ثلاثة أكواب من الشاي الساخن وأسقطت بهم أوراق النعناع الطازج الذي يفضلوه جميعا والذي يقترن دوما بجلسات الصفاء خصوصا أنه ولحسن الحظ وقت العصاري..
_ ياسلام على كوباية الشاي بالنعناع العظمة دي.. بجد المزاج طالبها جدا.
هذا ما ردده بدر وهو يلتقط كوب الشاي منها لتبتسم له بود مرددة
_ بالهنا..
جلست لجوار زوجها وبدأ الحديث في بعض الأمور الجانبية والتي كانت تخص حياة بدر في تلك الفترة المنصرمة حتى قالت صفية باستفهام كبير
_ يوسف قالي أنه شافك في المحل من امتى وأنت بتقف فيه يا بدر
ابتسم بدر بخفة وقال
_ من دلوقتي.. ولكل الفترة الي جاية إن شاء الله أو لحد ما الاقي شغل يعني.
عقب يوسف بعدم فهم
_ ازاي برضو يعني ليه سيبت شغلك وكمان مراتك هترضى إنك تقف في محل العطارة ولا إيراد محل العطارة هيكفي مصاريفها!
وبدون مقدمات كان يقول بملامح جادة رغم إرهاقها من الخوض في هذا الموضوع تحديدا
_ أنا استقلت من شغلي واتخانقت مع لليان وسيبت البيت ومش ناوي ارجع وبكرة ان شاء الله هروح اجيب هدومي من هناك عشان قررت استقر هنا.
نظر لوجههما الذي ظهرت عليه الصدمة واضحة بصمت حتى رفرفت صفية بأهدابها بعدم استيعاب وهي تقول
_ ايه مين كل ده ازاي
رفع بدر حاجبيه متهكما
_ أنت هنجتي
هزت رأسها كأنها تنفض صډمتها قبل أن تقول
_ أنت بتتكلم جد أنت عملت كل ده ليه واشمعنا فجأة كده!
ردد بشرود وهو ينظر أمامه
_ بنفضل نتحمل لحد ما بتيجي لحظة مبيكونش للتحمل معنى في قاموسنا.
أردف يوسف متسائلا
_ ايه الي حصل لكل ده يا بدر
أخذ نفسا عميقا جدا قبل أن يزفره بتمهل وكأنه يسترجع خلال هذه اللحظات القليلة كل ما مر به في الأيام السابقة تحدث أخيرا بصوت بدى هادئا كأنه يسرد شيئا لا يخصه
حصل الي متوقعتوش او يمكن جه في بالي بس كنت بقول مستحيل خلافتنا البسيطة توصل للنقطة دي كنت عارف إننا لو صلنا لهنا بالذات هتبقى النهاية.
سألته صفية بقلق
وايه هي النقطة دي
نظر لها بجانب عيناه وقال
أنها تتفضل علي باللي عمله ابوها معايا.
عاد بنظره أمامه كأنه يحدث ذاته حائرا
رغم انه معملش حاجة غير أنه اتوسطلي عشان اشتغل مساعد مدير أنا الي بمجهودي استمريت وبعد كام شهر اترقيت وبقيت مكان المدير بعد ما تعب واستقال الفيلا أنا الي اشتريتها بمرتبي ولحد وقت قريب كنت بسدد قسطها العربية برضو شاريها بفلوسي الي من تعبي ومجهودي! يعني هو معملش غير الخطوة الأولى بس مش من حقها تشوف إن كل الي أنا فيه بسبب أبوها!
أنهى جملته الأخيرة وهو ينظر لهما كأنه يسألهما عن رأيهما دون أن ينطق قرأت صفية الحيرة واضحة في عينيه فتمهلت قبل أن تقول بتحفظ
متزعلش مني يا بدر أنت كلمك صح وكل حاجة بس ده الطبيعي.. مراتك هتفضل شايفة إن لولا وسطة باباها مكنتش بقيت هنا لولا أنه اتوسطلك مكنتش قدرت توصل لإنك تكون مساعد مدير في أول حياتك كده.. أنا فاهمة إن كل الي جه بعد كده كان جهدك وتعبك بس بتفضل الخطوة الأولى هي أهم ما في الحكاية... هتفضل الحقيقة إن مجهودك وتعبك لوحدهم مكنوش أبدا هيوصلوك إنك في سن 28 سنة تبقى مدير شركة كبيرة ومعروفة زي دي حتى لو كان ممكن ده يحصل مادام ربنا كاتبلك المكانة دي بس محدش بيفكر كده كله هيشوف نفس الي مراتك شيفاه بدر أنت لحد وقت قريب مامتك كانت فاكرة إن الفيلا الي أنت قاعد فيها بفلوس مراتك وأبوها! اعتقد إنك كنت غلط من البداية.
هز رأسه مستنكرا يسألها
غلط غلط يا صفية أنت الي بتقولي كده أنا عملت كل حاجة عشان حبيتها بجد وأنت أكتر واحدة عارفة الي بيحب ممكن يعمل ايه لما وافقت أغير حياتي وظروفي كان عشانها وعشان شوفت أنها بتحبني ومستعدة تقف جنبي لحد ما طرقنا تتلاقى ونكون سوا.
قصدك لحد ما تليق بيها.
صفية!
قالها يوسف خارجا عن صمته محذرا لها في التمادي بحديث قد يضايقه ليوقفه بدر وهو يقول
استنى يا يوسف سيبها تكمل عاوز اشوف الموضوع من عنيكوا يمكن أفهم وجهة نظر أمي هي كمان ويمكن تكون في حاجات لسه غايبة عني.
تنهدت بحزن قبل أن تقول
بدر أنا مش قصدي أضايقك وطول السنين الي فاتت وقبل ما تتجوزها عمري ما فكرت أتكلم عن موقفك معاها ولا عن ارتباطك بيها كنت شيفاك راضي ومقتنع فسكت.. بس طبيعي مامتك مقدرتش تعمل ده لأنك ابنها يعني يعز عليها تشوفك بتغلط وتقف ساكتة.
أخذت نفسها ترتب كلماتها كي لا تجرحه دون قصد وقالت
الطبيعي يا بدر إن الست هي الي بتوصل للراجل مش العكس.. يعني لو حبت واحد غني وهي أقل في المستوى بتنقل ظروفها وحياتها عشان تعيش في طبقة الأغنياء ..في المكانة الي فيها جوزها وبتبدأ تتأقلم على ده ولو العكس وهي الي غنية وحبت شخص أقل منها في المستوى ومتمسكة بيه هي الي بتنزله على الأقل في الأول لحد ظروفه ما تتحسن.. مش ترفعه الأول لمستواها بعد كده تتجوزه.. وده بيكون اختبار ليها ولحبها لو اتجوزته وهو في مستواه وقدرت تغير حياتها وظروفها وتعيش ظروفه يبقى هي فعلا بتحبه وزي ما بيقولوا مستعدة تعيش معاه على رغيف وشوية ملح ولو مقدرتش تتحمل يبقى حبها مش كفاية عشان جوازهم وعلاقتهم تنجح فبيكون الانفصال هو أسلم حل له ولها.. لكن في حالتك هي حتى محاولتش تجرب.. محاولتش تعيش ظروفك بعد كده واحده واحده ترفعك وتترفع معاك.. هي مضحتش بحاجة عشانك يا بدر والحب تضحية مادام الټضحية دي في استطاعتنا ومش هتموتنا ولا هتيجي على كرامتنا أنت بقى ايه دليلك أنها بتحبك
زاغت عيناه دون هدى كأنها يبحث عن إجابة قبل أن يقول بصوت بدى يأت من بعيد
اختارتني رغم إنها كانت تقدر تتجوز واحد غني وأغني من والدها كمان ومكانتش مضطرة تختار واحد لسه هتبذل معاه مجهود عشان يناسبها وكمان هي بتقولي دايما أنها بتحبني وأحيانا بشوف ده في تصرفاتها.
وقبل أن تعقب سبقها يوسف هذه المرة وهو يقول
مش معنى أنها اختارتك يبقى حبها قوي ما يمكن أعجبت بيك وقتها يمكن عجبها حبك ليها والتضحيات الكتير الي من وقت ما عرفتها وأنت بتقدمها في أسباب تانية ممكن تفسر اختيارها ليك غير أن حبها هو السبب وحتى لو فعلا اختارتك عشان حبتك الحب درجات يا بدر وعشان نقدر نكمل ونواجه كل الظروف الي بتقابلنا لازم يكون الحب ده قوي عشان مش من أول أزمة تقابلنا تقضي علينا.
كانت تطالعه بعدم تصديق وهو يتحدث انظر من يتحدث عن الحب وقوته! يوسف! قاسې القلب متبلد المشاعر! هل بالفعل يدري أن قوة الحب هامة لكي تستمر العلاقة قوة الحب! وماذا عن الحب نفسه هل له وجود من الأساس! إذا بناء على كلامه لن تستمر علاقتهما لكنها استمرت لخمس سنوات حتى الآن لم تستطع كبح أفكارها فعقبت
مش شرط يعني مش ده الأساس لكل العلاقات في علاقات بتستمر من غير حب بس بتبقى باردة وملهاش معنى وفي علاقات بيكون فيها طرف واحد هو الي بيحب أو هو الي حبه قوي وهو بيكون سبب استمرار العلاقة بس في نفس الوقت بيكون أكتر حد بيعاني وبتكون علاقة مهلكة معتقدش أنك حابب تعيش الحياة دي يا بدر وتكون الطرف الي متمسك والسبب في نجاح العلاقة لوحدك.. صدقني أنت في غنى عن الإرهاق ده وكويس إن مفيش بينكوا ولاد يعني هتبقى حر أكتر في تفكيرك.
وقبل أن يعقب بدر كان صوت يونس يصدح ما إن دخل للغرفة
ماما تيتة عوزاك تحت.
نهضت بوجه واجم وهو تستأذن
عن اذنكوا هشوفها واطلع.
تحركت خارجة من الغرفة وأنظار يوسف تتابعها كظلها هو ليس بأحمق كي لا يفهم تلميحاتها هي لم توجه حديثها لبدر بل كان موجها له ترى متى ستتوقف عن انتظار حبه متى سترضى بنمط حياتهما الهادئ اللطيف لم لابد أن يكون الحب طرفا في الأمر ظل ثواني يفكر في الأمر حتى....
ياخي روح منك لله البت شوية وهتطفش منك ومن برودك.
انتبه لحديث بدر ليلتفت له مرددا بشرود
بتقول ايه
ابتسم ساخرا وهو يقول
بقول آه ياله أنت ايه السماجة الي فيك دي! لا بجد يعني 5 سنين متجوزين ولسه محبتهاش يا بجم ده واحد غيرك معاه واحده زي صفية كان زمانه غرق فيها مش حبها!
زفر بقوة قبل أن يقول وهو ينظر له بسأم
هو مين حاطت في دماغكوا فكرة إني مبحبهاش
انتبهت حواس بدر لحديثه فقال باهتمام
يعني أنت بتحبها
أردف يوسف بهدوء
طبعا بحبها مش مراتي هكرهها ازاي يعني
ضړب بدر كفا بالآخر وهو يقول
ياخي أنت بهيم! هو احنا عاوزينك تحبها عشان هي مراتك احنا عاوزينك تحبها عشان هي صفية.
طالعه يوسف كأنه برأسين وقال
وايه الفرق ما صفية هي مراتي! أنا بجد مش فاهمكوا ولا عارف هي منتظرة مني ايه بحبها.. آه بحبها طبيعي مراتي وأم ابني وعمري ما شوفت منها حاجة وحشة وهنكمل مع بعض العمر كله إن شاء الله فأكيد بحبها وبخاف عليها ويهمني أنها تكون كويسة
ومش هقدر أشوف بيتي من غيرها لأني اتعودت إنها دايما فيه ومقدرش أدخل يوم مالقيهاش فيه بضايق لما بتزعل أو أزعلها وبحاول أعمل الي ممكن يفرحها وبحترمها وبقدرها... مطلوب مني ايه تاني بقى!
نظر له بدر بحيرة هو حقا يفعل كل شيء ولكنه للأسف يفعله بدافع أنه طبيعي فهي زوجته.
وضعت طبق الحلوى الذي أعطته لها والدة زوجها فوق الطاولة وعادت لتدلف للغرفة لكنها توقفت وهي تستمع للجزء الأخير من حديث يوسف فأدركت أن الحديث عنها