رواية لولا التتيم (الفصل السادس إلى الحادي عشر) بقلم ناهد خالد

والصمت أحيانا يكون عجزا عن تقبل الصدمة.. أو عجزا عن التفسير
البارت السادس 
وصمته كان لكلا السببين.. صدمة من معرفتها بالأمر وعجز عن التفسير لها أو نفي ما تتهمه به وصمته كان موجعا أكثر لقلبها.. فصمته الآن لا يفسر سوى أنه لا يجد ما يقوله لصدق حديثها.. فارتسمت الخيبة على وجهها وهي تنسحب من أمامه فيكفي ما أصابها بسبب هذا الموضوع الذي يأخذ من طاقتها ونفسها الكثير.. 
وهو باله مشغول حتى عن اجابتها.. عقله يدور في عدة أسئلة لا يجد لها إجابة.. منذ متى وهي تعلم وكيف تعايشت مع الأمر دون أن تواجهه خاصة بعد قدوم شيرين والعيش معهم وكيف كانت تفسر كل تصرف منه تجاه الأخرى .. وأخيرا هل فعلا تعتقد أنه رفض حملها لهذا السبب!
وعند هذه الخاطرة التي أتت بعقله انتفض ينظر جهتها ليتفاجئ بعدم وجودها.. نهض بجسد متشنج وكأنه يستعد للعراك وهو هكذا بالفعل... منحنية الرأس دون حراك انتفضت على صوته العالي الذي هدر فجأة بعصبية بالغة وعروك نحره قد برزت من شدة انفعاله وهو يتحدث بحركات جسدية تعبر عن انفعاله
_ بقى أنت شايفة إني رفضت حملك عشان موضوعي القديم مع شيرين! أنت مقتنعة بالهبل ده يعني مرفضتش حملك عشان اعتبرتيني مليش لازمة وقررتي لوحدك إنك تحملي وخدتي الخطوة من غير ما ترجعيلي كأن رغبتي ملهاش لازمة ولا كأني مشاركك في حياتك ومن حقي اقرر إذا كنت عاوز ولاد تاني ولا لأ ولا عشان كنت ھتموتي في يونس! يونس الي قعدنا في جدال كبير بسببه بعد ما الدكتور قالك لازم تنزليه وأنت رفضتي ووقفت قدامي وبرضو ضد رغبتي اتمسكت بيه فاكرة الي حصلك وقتها فاكرة ال٣ شهور الي قضتيهم في المستشفى وفي الاخر ولدتي في السابع وبعد ما مرحلة الخطړ انتهت من عندك انتقلت لليونس الي دخل الحضانة شهرين وكان بين الحياة والمۏت...
صمت يلتقط أنفاسه وهي دموعها تتساقط پألم حين تذكرت تلك المرحلة الممېتة في حياتها تلك الفترة التي أخبرها فيها الطبيب مصارحة أن حملها سيفقد أحدهم حياته.. هي أثناء حملها أو جنينها بعد ولادته.. حملها الذي كان يقبع خارج رحمها من ضمن الحالات القليلة التي يحدث فيها حمل هكذا وعلى الاغلب لا يستمر إلا بإرادة الله كما حدث معها.
هتف بتعب من انفعاله
_ لو أنت عندك استعداد تعيشي كل ده تاني أنا مكنتش مستعد وأنت حطتيني قدام الأمر الواقع.. لو أنانية لدرجة إنك مفكرتيش غير إنك تخلفي تاني ومفكرتيش في ولا في ابنك الي محتاجلك.. فأنا مش أناني زيك.. انا مش كل همي إنك تحملي وتجبيلي عيل وأنت ممكن ټموتي فيها.. رفضي لحملك من بعد ولادتك لأنس كان معروف سببه واعتقد وقتها اتكلمنا كتير قوي واتفقنا في الآخر إننا نحمد ربنا على أنس ومكتفيين بيه.. ايه الي غير رأيك من حقي افهم!
شهقت پبكاء وهي تفصح عن سبب رغبتها في الحمل مرة أخرى رغم إدراكها لخطۏرة الأمر
_ حسيت إني أنانية.. إني أحرم أنس من أنه يكون له أخ يتسند عليه لما يكبر واعيشه طول عمره وحيدواعتقد إنك جربت الإحساس ده ما أنت كمان وحيد بس الفرق إن والدتك مكنش عندها فرصة تانية للحمل وأنت كمان أكيد كان نفسك يكونلك عيال وعزوة يكبروا عيلتك الي مفيهاش غيرك يعتبر حسيت إني شايلة ذنبكوا.. خصوصا لما كذا مرة أنس يقولي أنا عاوز بيبى يلعب معايا زي مصطفى ابن عمو.
هز رأسه مستنكرا يقول
_ ومفكرتيش إن ممكن يجرالك حاجة وقتها تفتكري ابنك هيبقى مبسوط وامه مش معاه عيلتي الكبيرة الي عاوز أأسسها زي ما بتقولي هتنفع من غيرك!
ردت بتبرير
وليه نفترض الأسوء مش يمكن..
قاطعها برفض
_يمكن ايه الدكتور قايلك الحمل التاني هيبقى اصعب واخطر من الحمل الي فات.
عقبت باصرار على موقفها
_ هو نفس الدكتور الي كان بيقولي يا ھتموتي قبل الحمل ما يكمل يا الطفل ھيموت بعد ما يتولد! واهو يونس الحمد لله بخير.
هز رأسه باستنكار
_وليه تخوضي تجربة معرضة فيها إنك تفقدي حياتك حتى لو مجرد احتمال!
_محدش بيسيب من عمره لحظة يا يوسف.
رددتها بهدوء ليعقب ساخرا
_ وربنا قال بسم الله الرحمن الرحيم ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ولا مسمعتيش الآية دي قبل كدة يعني واحد يبقى عارف إن العربية الي هيركبها فيها عيب وممكن تتقلب بيه في الطريق ويركبها ويقولك مش هسيب من عمري لحظة! ولا ده يسمى اڼتحار بس بشكل تاني.
أرهقها التفكير وأرهقها الجدال لتعقب بتعب
_ وأنا الحمد لله كويسة واهو الحمل حصل والي ربنا عاوزه هيكون.
ضغط على أسنانه بغيظ خفي
_ صح ملوش لزوم الكلام وأنت كويسة فعلا بس لحد دلوقتي.
ردت بضيق
_ متقفلهاش في وشي بقى.
زفر أنفاسه پعنف قبل أن يمسد على وجهه بكفه مستغفرا الله كي تهدأ أعصابه قليلا جلس على كرسي مقابل لها ليتطرأ للحديث في الأمر الآخر الذي ذكرته
_ وايه موضوع شيرين ده كمان
وعلى ذكر شيرين أدمعت عيناها وهي تقول بنبرة مرتجفة تنزر بالبكاء
_ ايوه مهو الطريق خليلك بعد ما اتطلقت.
ضړب كفا بالآخر بعدم تصديق وهو يقول
_ خليلي! أنت بجد شيفاني كده
ارتشفت ماء أنفها من بكاءها وهي تسأله بعدم فهم
_ كده ازاي
أجابها بجدية
_ مش راجل.
ضيقت عيناها تسأله
_ ايه علاقة ده بإنك ترجعلها.
_له علاقة كبيرة جدا.. إني ارجع لوحده اتخلت عني زمان وراحت وافقت على العريس الي اتقدملها لمجرد خلاف بينا فكرت وقتها إنها كده بتعلمني الأدب واني هجري عليها اصالحها لما احس إنها هتروح مني يبقى أنا كدة معنديش كرامة.. لما ارمي مراتي وابني واهدمي بيتي عشان علاقة قديمة واتخلى عن مسؤوليتي تجاههم يبقى أنا كدة مش راجل لما ابصلها حتى بعين واحد عاوزها وأنا متجوز يبقى أنا كده خاېن.. والخاېن وعديم الكرامة مش راجل.
رفرفت بأهدابها بتوتر وهي تسأله
_يعني أنت لما شوفتها تاني محنتش لها محستش إن القدر بيديك فرصة تانية.
عقد حاجبيه ساخرا
_ احن ليها! أنت فكراني روميو! هعيش على ذكراها ٥ سنين ولما ترجع ارجع أريل عليها! حبي ليها مكنش للدرجادي يعني.
ارتعشت نظراتها وهي تسأله
_ده بس السبب
تمنت أن يخبرها أن السبب الرئيسي أنه يكن لها مشاعر تمنعه من الميل لغيرها وهو يعلم مغزى سؤالها فتوتر قليلا يفكر ثم أجاب بمراوغة
_ لا يعني كوني ابصلها يبقى أنت مش مالية عيني أو أنا بقى الي عيني زايغة.. وأنا لا عيني زايغة ولا أنت مش مالية عيني.. أنا من وقت ما اتجوزتك وأنا عمري ما بصيت لوحدة غيرك ولا واحدة قدرت تجذب انتباهي ليها حتى.
حسنا هو لم يعترف بحبها ولم يقل شيئا يطرب القلب لسماعه لكن بشكل ما أرضاها كأنثى كونه يعترف بأن عينه لا ترى غيرها.
هزت كتفها بدلال أنثوي وهي تقول بحيلة علها تنطق هذا الحجر
_ يعني عينك مبتشوفش غيري
ابتسم بتلاعب وهو يقترب منها قائلا
_ يا سلام على أساس إنك مش عارفة جلس قربها وحاول إحاطتها بذراعه
_ أنت مستفز.
قهقهة بقوة وهو يضمها لها
_ الله يسامحك.. عموما يا ستي ايوه أنت جامدة آخر حاجة لدرجة إن عيني مبتشوفش غيرك.
قطبت حاجبيها بضيق تسأله
_بتتريق حضرتك
نفى بجدية مبتسما
_ لا والله أبدا بتكلم جد هو في حد في جمدانك!
أنهى حديثه بغمزى من عيناه اليسرى قبل أن يقول بعبث أضرم الخجل بوجنتيها
_ بمناسبة الجمدان وكده أنس نايم.
اصطنعت عدم الفهم وهي تقول
_ ايه يعني نايم! ايه علاقته بكلامنا.
رفع حاجبه محذرا
_هنستعبط! ده انا بقالي أسبوع مقموص يعني صالحيني.
قال الأخيرة بدلال طفولي لتكبح بسمتها وهي تقول
_لا معندناش ستات بتصالح رجالة.. ثم أنك أنت المقموص كمان! مش كفاية قسوتك علي الاسبوع الي فات.
تغاضى الجزء الأخير من حديثها كي لا يفتح الموضوع مرة أخرى وعقب بعبث أكبر
_ لا مهو من الناحية دي اطمني مش أنت الي هتصالحي أنا الي هصالحك بس أنت اديني فرصتي.
قال الأخيرة بحماسة أصابت ضحكها لتتسع بسمته وهو يتجه لباب الغرفة يغلقه ثم عاد إليها يتمتم بمزاح بطريقة ذلك الممثل
_ صلي على رسول الله.. 
منذ أمس والڠضب يتآكلها بسبب فعلته مع صديقتها كيف له أن يضربها بكلماته هكذا دون مراعاة لمشاعرها المرهفة تجاه هذا الأمر خصيصا ڠضبها لا يهدأ ولن يهدأ حتى تثير غضبه كما فعل هذا ما حدث به نفسها قبل أن تخطط لأمر سيثير غضبه حتما ويهدأ ڠضبها حينما تتشفى به.. ولكن ما تجهله أن ما على وشك فعله سيضع نقطة النهاية!!
اتجهت ناحيته وهو يجلس خلف مكتبه يراجع بعض أعماله كي ينهيها ويأخذها غدا معه للشركة التي يعمل بها وقفت أمام مكتبه وهي تضع يدها بخصرها بتحفز رفع بصره لها لثواني قبل أن ينزله وهو يسألها بجفاء
_خير مش مطمن للوقفة دي
أجابته بجدية
_نانسي كلمتني وعوزاني معاها.
رفع بصره لها يسألها بضيق فقد ظن أن الإسم وصاحبته انتهيا من حياته بعد ما حدث ولكن يبدو أن صاحبة الإسم معډومة الكرامة
_عاوزاك في ايه ثم إنكوا اتكلمتوا
ابتسمت بسعادة وهي تردف
_طبعا اتكلمنا هي تقدر تتخلى عني كلمتها الصبح وصالحتها.
صمتت تستعد لالقاء فاخذت نفسها قبل ان تقول
_ وهي عايزاني معاها في العرض اللي هتعمله عشان حصل عندها عجز في عدد العارضات فكلمتني علشان احل محل البنت اللي غابت وانا وافقت.
ضغط على أسنانه بقوه محاولا كبح غضبه قبل ان يردف ساخرا
_ يعني هي عاوزاكي تطلعي تترقصي قدام الناس!
رفعت شفاها بتقزز مصطنع وهي تكرر كلمته
_اترقص ده بجد ثم إني كان ده شغلي قبل ما نتجوز!
عقب بهدوء مصطنع
_ لا في فرق شاسع بين الاثنين.. أنت كنت مصممة ازياء مش عارضه ازياء تطلعي تتقصعي قدام الناس واسمها بتفرجيهم اللي لابساه.
هزت كتفها بلا مبالاة وهي تقول
_ عموما.. دي وجهه نظرك أنت لوحدك أنا شايفه إن مافيهاش حاجه عشان كده وافقت.
وهنا تبخر كل هدوءه لينتفض عن مقعده وهو يهدر فيها پعنف
_يعني ايه وافقت! يعني كلمتي ملهاش لازمه قرطاس لب أنا! تمام وانا بقول لك مش موافق.
احتدت ملامحها وهي تقول بعناد أشد
_ وانا قلتلك أنا موافقه وهسافر معاها دهب بعد يومين.
تشنج جسده وهو يهتف بعصبيه وصلت أقصاها
_ وانا قلت مش هتروحي وهنشوف كلام مين اللي هيمشي انا مش راجل نص كم عشان أخلي الناس 
اجابته بعصبيه مفرطه
_ انت غيرتك تخنق.. مش طبيعي تفكيرك ده! هم مش طالعين يتفرجوا علي! هم هيتفرجوا على اللبس اللي انا بعرضه.
اشار لنفسه پصدمه
_أنا غيرتي تخنق!
أحست أن هذه النقطة ستثير غضبه اكثر وتجعلها تثأر منه فردت ببرود
_ اه وبصراحه بقى انا مش هستحملها
اكتر من كده.. كل حاجه لا كل حاجه مرفوض انا مش متعوده على الخنقه دي.
هل أصبحت غيرته التي كانت