رواية لولا التتيم(الفصل الأول إلى الخامس) بقلم ناهد خالد


ابتسامة متعجبة من حالها لا يعلم إلى متى ستظل تتعامل معه بخجل وكأنهما تزوجا بالأمس القريب.. رغم مرور خمس سنوات وشهران على زواجهما لكن الحقيقة أن خجلها هذا يزيد رغبته في التودد إليها والتقرب منها أكثر.
منذ وضعت الطعام وهي تراقبه بطرف عيناها لا تدري أي توقيت مناسب لبدأ الحديث لكنها قررت التحدث أخيرا حين قارب على الانتهاء من طعامه هدأت نبضاتها المتسارعة وأنفاسها الثقيلة قبل أن تهتف بابتسامة جاهدت لصنعها
صحيح يا يوسف نسيت أقولك تخيل مين جه النهاردة
سألها باستفهام وهو يكمل طعامه
جه فين
هنا عند والدتك بالأدق.
رماها بنظرة سريعة وهو يسألها
حد مهم
أجابته بداخلها رد فعلك الي هيحدد إن كان مهم ولا لأ 
نطق لسانها تقول
يعني.. بس هو حد غايب بقاله كتير.
قولي على طول مبحبش التشويق ده.
سلطت نظراتها عليه تراقبه باهتمام بالغ كأنها ستدلف لعقله وقالت ببطء ممېت لقلبها وهي تنتظر ردة فعله
شيرين بنت خالتك.
توقفت ملعقة الطعام التي كانت ممتلئة بالحساء وكاد يرفعها لفمه ولكن ما إن سمع ما نطقت به زوجته حتى تصلب جسده لثانية واحدة قبل أن تهتز يده لينسكب ما بها من حساء فوق الطاولة.. كل هذا وعيناها تراقبه كما يراقب الصقر فريسته..!
صلوا على من بكى شوقا لرؤيتنا
الفصل_الثاني 
لولا_التتيم
نظراتها الثاقبة له إن انتبه لها حتما سيتصبب جسده عرقا من التوتر حتى وإن لم يفعل شيء.. فالشك والترقب الذي يشع من نظراتها بوضوح يشعر من يراها أنها على وشك الفتك بمن أمامها فقط إن تأكدت من صدق شكوكها.. وهذا ما يرى لكن الحقيقة هي أنها قاب قوسين أو أدنى من الاڼهيار إن صدق شكها وتأكدت من أنه ما زال يختزن مشاعر تجاه تلك الفتاة التي غرزت رماح الذعر في قلبها حين واجهتها لتعيد لها ما ظنته قد ډفن مع الأيام بل والأدق السنوات..
وعنه فقد صدم حقا من عودة الغائبة منذ ثلاث سنوات حين سافرت مع زوجها لتركيا بعد زواجها بعامان ونصف.. وكان هو أيضا متزوج ولديه يونس الذي كان يبلغ عام واحد حينها.. سفرها كان نجدة له ولمشاعره الذي أرهقته رغم أنه لم يكن يراها كثيرا بحكم مكوثها في الإسكندرية وهو في القاهرة لكنه كان يشعر أن مجرد اشتراكهما في بلد واحدة يثير مشاعره تجاه ذكرياته معها.. لم عادت الآن وهل كنت تظنها أنها اختفت من حياتك للأبد هذان أول سؤالان تقاذفا لذهنه بعد أن فاق من صډمته..
وهي تتابع شروده حتى أنه لم يضع الملعقة من يده بعد.. وكأنه تمثال نحت على وضعيته هذه.. أخفضت عيناها وابتسمت ابتسامة ساخرة تحاول بها كبح دموعها وتجاهل تلك الضربات المؤلمة التي أصابت صدرها لتضيق عليها تنفسها بشكل طبيعي زفرت أنفاسها ببطء قبل أن تقول دون النظر له
_ مالك يا جو بطلت أكل ليه
انتبه لصوتها فرفرف بأهدابه يزيل عنه شروده وصډمته فأنزل المعلقه الفارغة وهو يهتف بحشرجة
_ لا أبدا.. اتفاجأت بس أصلها بقالها سنين مسافرة ورجعت فجأة.
ودون ان تشعر كانت تتجاهل حديثه وهي تهتف ليونس بحدة أجفلت الصغير
بطل لعب في الأكل يا تقوم.
انتفض الصغير على صوتها العالي لينظر لوالده كأنه يسأله عن ذنبه لتحتد عليه هكذا.. ولم يكن يوسف أقل منه تعجبا حين هتف لها بتساؤل
_ مالك يا صفية مهو بياكل اهو!
ظنها ستهدأ ولكن العكس هو ما حدث حين ضړبت بمعلقتها فوق الطبق تضعها پعنف وهي تردد بعصبية نادرا ما تتملك منها
_ لا مبياكلش.. بيلعب في الأكل وبس رغم انه مكالش من الصبح.
حدقها بنظرة حادة من عصبيتها الغير مبررة على الصغير وقال
_ براحة طيب في ايه!
الټفت ليونس الذي لا يفقه شيء سوى أن والدته غاضبة مسد على رأسه بلطف وهو يقول
_ كل كويس يا يونس عشان متزعلش ماما.. مش أنت عارف إنك لو مكلتش كويس هتتعب
اومئ الصغير إيجابا وهو يلقي نظرة سريعة لوالدته التي تتابع الحديث في صمت
_ وماما بتزعل لما أنت بتتعب وپتخاف عليك عشان كده عوزاك تاكل كويس.
_ حاضر.
هكذا كان رد يونس قبل أن يشرع في تناول طعامه الذي استوقفه..
الټفت لها يوسف يسألها باهتمام
_ ايه الي مضايقك
ابعدت عيناها عنه وهي تقول
_ مش مضايقة.
أمسك كفها الموضوع فوق الطاولة وهو يقول بعدم تصديق
_ مادام مش عاوزه تبصيلي يبقى مضايقة وعارفة إنك لو بصتيلي هكشفك.
أغمضت عيناها للحظة تتحكم بأعصابها قبل أن تلتفت له وهي تقول بابتسامة حاولت جعلها طبيعية
_ مش مضايقة يا جو قولتلك هتضايقني بالعافية
ترك كفها وهو يعود لاستكمال طعامه لكنه قال
_ هعمل نفسي مصدق عشان عارف إنك مبتحبيش حد يضغط عليك بس أنا موجود في أي وقت حابه تفضفضي معايا هتلاقيني.
نظرت له دون حديث وعقلها يدور حول شيء واحد وأخذ عقلها يتخبط به وهو مقابلته مع تلك المدعوة شيرين.
__________________
فتحت باب الغرفة دالفة للداخل ناوية التحدث مع ابنتها علها تعيد تفكيرها فيما تفعله فإن ظلت هكذا ستدمر حياتها للمرة الثانية.. أبصرتها نائمة فوق الفراش وظهرها للباب رافعة الغطاء حتى رأسها اقتربت منها ببطء لتتأكد إن كانت نائمة حقا أم تدعي هذا.. وما إن شعرت بعدم انتظام أنفاسها حتى تنهدت بضجر وهي تجلس فوق الفراش وتمد كفها تزيل الغطاء عنها وهي تهتف
_قومي أنا عارفة إنك مش نايمة.
مدت ريهام كفها بالخفاء تمسح دموعها التي غمرت وجنتيها قبل أن تعتدل تطالع والدتها بهدوء.
تنهدت بشرى بحزن على ابنتها قبل أن تقول
_ يعني بجد محتاجة افهم.. أنت زعلانة ليه دلوقت مش ده الي حسستيني إنك مش طيقاة الشهر الي فات لما عزمتك في رمضان وقولتلك لو عاوزه تجبيه معاك هاتيه قولتيلي لأ مش عاوزه.. وكلامك وقتها حسسني إنك مش قبلاه ولا قابله عيشته عشان كده وقتها قولتلك لو عاوزه تطلقي منه هطلقك.. رغم إن صعب علي اشوف بيتك مخروب بس قولت نفسيتك أهم.. ولما كلمتيني وقولتيلي عاصم قالي ان الم هدومي وانه موافق على الانفصال رغم إني زعلت بس متكلمتش.. قولت اهو بتعمل الي هيريحها.. لكن فين الراحة دي يا بنتي انا مش شايفاها من وقت ما مشي وأنت قافلة على نفسك وشكلك معيطة كل ده ليه
أخفضت بصرها تطالع كفيها اللذان يضغطان على بعضهما ورددت بصوت خاڤت
_ تعرفي إني طلبت منه الطلاق من اول يوم رمضان بعد ما مشيت من هنا.. حسيت إن كلامك يومها شجعني وواجهته.. يمكن عشان كمان صعب علي يعني متجوز وكأنه مش متجوز.. لا أنا مهتمة بلبسه ولا بأكله ولا بأي حاجة تخصه ولا بيه هو شخصيا كأنه عايش لوحده بالعكس هو الي كان بيهتم بيا وبكل حاجة تخصني... وقتها طلبت الطلاق وهو قال جملة مبهمة وسكت وفضل ساكت شهر كامل لحد ما فهمت إنه رفض الانفصال كالعادة.. بس اتفاجأت لما لقيته النهاردة بيقولي قومي لمي حاجتك وهوديك عند أمك هنفذلك الي أنت عوزاه.. رغم إني كنت عاوزه ده بس اټصدمت لما قالي وكأنه ما صدق العيد يعدي عشان ينفذلي طلبي.
قطبت بشرى حاجبيها باستغراب وقالت
_ يابنتي مهو طلبك بعدين هو أكيد الشهر الي سكت فيه ده كان بيحول يرجعك عن الي في دماغك ويصلح الأمور بينكوا بس لما لقى مفيش فايدة عملك الي عوزاه.
رفعت عيناها لها تسألها بحيرة تجتاحها
_ هو كان المفروض يتمسك بيا أكتر صح
ابتسمت والدتها ساخرة وهي تردف
_اكتر من سنة و٣ شهور يا ريهام ليه يا حبيبتي هو بيفتح عكا! بعدين هو مشفش منك رجا خالص هيتمسك ليه بقى!
أدمعت عيناها بشدة وهي تهتف پبكاء حل بها
_ بس أنا بحبه.
أنهت جملتها مجهشة في بكاء مرير جعل بشرى تجذبها لأحضانها تحاول تهدأتها وهي تقول بتعجب لحالتها
_ يابنتي ده أنت نفسك أول يوم رمضان قولتيلي انا مش عارفة بحبه لسه ولا لأ بس انا مش متقبلة حياتي معاه.. بعد ما سابك جايه تقولي بحبه!
أردفت من بين شهقاتها
_ كنت بكذب على نفسي كنت بحاول اقنع نفسي إني بطلت احبه عشان اعرف ابعد.
سألتها بدهشة
_ وتبعدي ليه بس هو حد جابرك على البعد يا بنتي
خرجت من أحضانها تنظر لها بدموع متساقطة وهي تردف پقهر
_ أنا... نفسي هي الي جبراني على البعد يا ماما مش قادرة اقنعني إني انسى الي فات واكمل معاه مش عارفه امسح من عقلي تخليه عني ولا غلطي معاه وإني ضيعت نفسي عشانه.
سألتها مرة أخرى بحرص
_ وأنت شايفة إنه مكفرش عن ذنبه بصي هو أنا مبطيقوش بس الحق يتقال الواد بيحبك بجد واتمرمط وراك.. يعني ٣ سنين بعد وبعدها كام شهر بيلف وراك وخطب اختك عشان بس يوصلك وسنه جواز.. الواد ضيع عمره عشان يوصلك.. ولولا إني شوفت الحب في عينه عمري ما كنت هقولك الكلام ده.. بس الي يحب بنتي ابلعله الزلط.. وانا بصراحة بقى شايفه ان مرمطتة دي كفيلة تنسيك الي عمله معاك زمان خصوصا انه مبعكيش ورجع بعد كام سنة عشان يصلح غلطه ويتجوزك رسمي.
كفت عن البكاء وهي تردد بشرود
_ احنا مش بننسى يا ماما عقلنا عمره ما بينسى.. احنا بنتهلي بنتناسى بنستهبل ونعمل نفسنا ناسيين.. لكن مبننساش.
_ واحنا يا حبيبتي لو معملناش كل ده الحياة عمرها ما هتستمر... انا برضو مستهبلة وعاملة نفسي ناسية إنك روحت اتجوزتي من ورايا وكسرتي ثقتي فيك.. تخيلي بقى لو مستهبلتش مكنش زماني قاعدة معاك دلوقت ولا لساني بيخاطب لسانك.
نظرت لوالدتها بندم وحرج لتكمل بشرى حديثها موضحة
_ مبقولكيش كده عشان افكرك بالي عدى بقولك كده عشان تفوقي قبل ما حياتك تضيع من ايدك.
رفرفت باهدابها بتوتر وهي تتساءل
_ تفتكري هيوصل بينا الحال للطلاق
_ أنت مش بتقولي طلبتي الطلاق وجابك هنا.. يعني وافق يطلقك.
دق قلبها فزعا لمجرد ذكر والدتها لاحتمالية الطلاق لتهتف سريعا
_ لا هو قالي انه مش موافق على الطلاق هو بس سابلي مساحة زي هدنة كدة.
تنفست بشرى براحة وهي تدرك أن نظرتها لم تخب به وقالت بمغزى
_ والله الي جاي بايدك أنت وبس وأي نتيجة هتوصلوا ليها هتبقى بسببك.. يلا هروح احضر العشا.
تركتها وخرجت لتسبح ريهام بأفكارها في حديث والدتها هل ستكون سببا في انفصالها النهائي عنه
انتفضت لتجلب هاتفها وبحثت عن رقم ما على موقع التواصل الاجتماعي واتساب وما إن وجدته حتى بعثت برسالة محتواها جملة واحدة مختصرة 
حاسة إني توهت من تاني.
_________________
كمن يجلس على جمر مشتعل تجلس هي الآن اخبرها يوسف أن تنزل لأسفل حيث شقة والدته وتنتظره حتى يلحق بها.. لا تعلم ما السبب وراء هذا لكنها فعلت وها هي الآن تلك الفتاة التي تثير كل