رواية لولا التتيم(الفصل الأول إلى الخامس) بقلم ناهد خالد

الفصل_الأول لولا_التتيم 
رفعت إناء الحساء الساخن من فوق الڼار دون أن تنتبه لامتلائه وهذا لشرود عقلها في تلك الضيفة الغير محببة تماما لقلبها والتي أتت اليوم فكل تفكيرها ينحسر في شيء واحد وهو ردة فعل زوجها حين يراها بعد غياب ثلاث سنوات وطريقة التعامل بينهما شهقت بفزع حين لمس الحساء الساخن جلد كفها حين مال الإناء منها قليلا دون أن تنتبه... وضعته سريعا فوق الرخامة الطويلة وركضت لصنوبر الماء تفتحه لتضع كفها أسفله كي تحميه من أي حړق قد يصيبه فيكفي ما سيصيب قلبها في الأيام المقبلة والتي ستستمر لثلاث وهي مدة بقاء تلك الضيفة هنا.. عادت بذاكرتها لذلك اليوم الذي تقدم فيه يوسف لخطبتها... هي صفية مجرد فتاة رأتها والدته بمحض الصدفة وأعجبتها لتتقصص عنها وتعلم أنها تسكن على بعد شارعين منهم بل وولدها صديق لشقيق الفتاة وحينها حدثت يوسف في أمرها ورغم رفضه في البداية إلا أنه مع إصرار والدته وضياع فرصته مع من اختارها قلبه وافق وتقدم لخطبتها ورغم اعتراض والدي صفية لفرق العمر بينهما والذي يصل ثمان سنوات ولصغر سن صفية حينها فلم تكن قد بلغت التاسعة عشر بعد ولكن أمام موافقتها وإصرارها اضطروا للرضوخ لرغبتها كانت حينها لا تسعها الفرحة لا تصدق أن من تمنته منذ كانت بعمر الخامسة عشر تقدم حقا لخطبتها.. دوما كانت تراه حلما بعيد المنال فهي كانت تراه مرات معدودة حين يأت لشقيقها علي فكان من نفس عمره وأصدقاء دراسة ورغم هذا لم يرتاد أيا منهما بيت الآخر إلا قليلا ولكنها كانت مرات كافية لتلك المراهقة أن تقع بغرام الأخير... ولكن كانت ضړبتها الأولى التي أصابت قلبها حين جلس معها يوسف لأول مرة حين تقدم لها وحينها صارحها بكل جدية ناويا وضع النقاط فوق الأحرف
أنا عارف إن الوضع غريب وفجأة من مجرد صاحب لأخوك الكبير لواحد متقدم عشان يخطبك وعارف كمان إنك لسه صغيرة على الجواز عموما بس دي حاجات واضحة قدامك ومش محتاج إني أفكرك بيها واعتقد إنها لو كانت فارقة معاك مكنش زماني قاعد هنا وبطلب ايدك لإن علي بلغني إن في موافقة مبدأيه منكوا.
فركت كفيها بتوتر بالغ وهي تخفض رأسها خجلا وقلقا من أن يكتشف مخزون المشاعر الذي لديها تجاهه فأكمل هو بنفس الجدية
لكن يحقلك تعرفي حاجة لو أنا مقولتهاش عمرك ما هتعرفيها بس أنا مش حابب أخدعك أو أجبرك على وضع معين من حقك تعرفي ووقتها يكون ليك حرية الاختيار.
وهنا رفعت رأسها بقلق بدأ يغزوها لتنظر لعيناه لأول مرة بحياتها فسحرتها تلك الزرقة القاتمة بهما لكنها حاولت توجيه انتباها لحديثه حين أكمل
أنا كان لي علاقة سابقة..
كانت على علم بهذا سابقا فقد استمعت ذات مرة لحديث شقيقها معه عبر الهاتف وهو يخبره أن ينسى هذا الحب الذي لا يجلب له سوى المتاعب فقاطعته بصوت خاڤت
عادي.. قصدي يعني ده وارد يعني وارد تكون حبيت قبل كده ومحصلش نصيب.
هز رأسه وهو يقول
ايوه بس الي عاوز اقولهولك إن... يعني أنت أكيد فاهمه إن الحب مش بإيدنا ومحدش يقدر يتحكم في قلبه يحب مين ويكره مين صح
قطبت حاجبيها بضيق فما له يحدثها وكأنها طفلة لا تفقه في الحب شيئا ربما هي بالفعل لم تخوض تجربة كهذه ولكنها تقرأ عنه كثيرا وشعورها تجاهه رسخ في ذهنها ما تقرأه
ايوه فاهمه ليه حساك بتكلم طفلة
مسد بكفه على مؤخرة عنقه بحرج من ردها فهتف موضحا
مش قصدي بس أصل الموضوع معقد شوية.. الحكاية مش إني كنت بحب واحدة ومحصلش نصيب.. المشكلة إني تقريبا بحبها من ساعة ما عرفت يعني ايه حب بحبها بقالي 10 سنين وللأسف مش عارف اتخلص من حبها رغم إنها اتخطبت وهتتجوز كمان شهر أنا كان ممكن مقولكيش بس حسيت إني هبقى بخدعك.. أنا آسف لو كنت صدمتك بكلامي بس ليك كل الحق إنك ترفضيني بعد الي قولته.
تحاملت على ألم قلبها وتلك النبضات القاسېة التي شذت عن نبضاتها الطبيعية وافتر ثغرها عن ابتسامة ساخرة تسأله
وأنت جيت بقى تقولي عشان ارفض ويبقى الرفض من عندي أنا مش كده
أجابها بصدق
لأ أنا بقولك عشان اخلص ضميري بس مش عشان ترفضي أنا لو ده الي في دماغي مكنتش جيت أصلا محدش هيجبرني اعمل حاجة مش عاوزها.
وأنت عاوزني
رددتها بتساؤل متلهف وقد بدأت الدموع تغزو عينيها والتي لم تستطع كبحها أكثر حين أجابها بتنهيدة
والدتي شيفاك مناسبة... وأنا كمان شايفك كده يعني أنا اعرف عيلتك كويس وواثق في أخلاقك واحترامك.. فليه لأ
مجرد مناسبة هل هذا كل ما في الأمر.. بعدها لم تستطع البقاء أمامه أكثر فانتفضت واقفة وركضت لغرفتها دون حديث آخر... وحينها ظن هو أنها أعطته الإجابة ألا وهي الرفض لكنه صدم حين أخبره شقيقها بعد عدة أيام أنها قد وافقت على طلبه.. وعنها فقد قضت تلك الأيام في ڼزاع بين رأي عقلها وما يريده عقلها كانت تعلم أنها تخوض حربا ستهلكها وتستنزف طاقتها ونفسيتها لكنها خاضتها فكيف لها أن تلومه الآن
انتبهت على رنين جرس الباب فأغلقت صنوبر الماء وأخذت منشفة تضعها على كفها وهي تتجه للخارج لترى الطارق..
فتحت الباب لتتسمر محلها وهي تراها.. شيرين ابنة خالة يوسف تلك الفتاة التي مازالت تسيطر على قلب زوجها رغم أنه لم يخبرها صراحة بهوية الفتاة كي لا تكن لها الضغينة لكن شيرين نفسها من فعلت يوم زفاف الأولى وهي تخبرها بكل برود أنها لن تستطيع جعله ينسها حينها تحدتها ودافعت عن حقها به تخبرها أنه لن يتذكر فتاة تدعى شيرين من الأساس ولكن هل تعترف الآن بفشلها وهزيمتها طالعتها بصمت وهي ترى تغيرها قليلا فيبدو أن سفرها مع زوجها لتركيا قد أجدى ثماره فها هي ثيابها بدت أكثر تناسقا وأناقة حتى شعرها أصبح أطول من ذي قبل حتى كاد يصل لنهاية ظهرها بلونه البني الفاتح وعيناها البنية التي أحاطتها بكحل أسود جعلها أكثر جرأة تطالعها بتفحص هي الأخرى لن تنكر أنها تمتلك جملا يكفي لجذب عيون الرجال لها خاصة بثيابها التي تلائم جسدها تماما وتكشف القليل من ساقيها وذراعيها فتبدو كفتنة تجذب الرجال لها حتى وإن كان قديسا.
صفية تمتلك عيبا خطېرا في شخصيتها ألا وهو انعدام الثقة بالنفس حتى تكاد ترى أي شخص بالعالم أجمل منها.
غلت مراجل الغيرة بقلب شيرين وهي ترى الثياب التي ترتديها صفية هل ما زالت ترتدي مثل هذه الثياب لقد ظنت أنها سترى امرأة أنهكها المنزل وأعماله ترتدي ثياب تفوح منها رائحة طهي الطعام وتعقد عصبة فوق رأسها تبين إرهاقها وتركض هنا وهناك خلف طفلها.. لكن العكس تماما ما رأته.. ترتدي قميصا ورديا أنيقا يعلوه روبا طويلا تغلقه بإحكام ومن الواضح أنها ارتدته فقط لتفتح الباب وشعرها مرتب بعناية ورغم قصره إلا أنه يليق بها كثيرا فبالكاد يتعدى أذنيها وهناك رائحة جميلة تنبعث من الداخل لا تعلم هل هي رائحتها الخاصة أم رائحة المنزل عموما ورغم عدم وضعها لأي مستحضرات تجميل إلا أنها بدت جميلة بشكل زاد من إشعال النيران بداخلها.
ازيك يا صفية
ردت صفية پاختناق كفيل أن يصيبها بمجرد رؤية غريمتها
بخير ازيك أنت
هتسبيني على الباب
تنحت بضيق وهي تردد
اتفضلي.
دلفت للداخل بخطوات بطيئة تتفحص المنزل المرتب بشكل مريح للنفس جلست على أحد الكراسي وهي تقول
ايه ده شكل يوسف مش هنا أنا فكرته هنا وأنت مقولتيش له إني تحت فقولت أطلع أنا اسلم عليه.
ضغطت على أعصابها وهي تتجه للكراسي المقابل لها وجلست وهي تقول
ومش هقوله ليه هو بس لسه مجاش
التمعت عيناها پغضب مستتر وهي تقول
تعرفي إني كان زماني مكانك لولا بس غبائي وتسرعي يوسف كان عنده استعداد يخلص الخلاف الي كان بينا بس أنا الي استعجلت ووافقت على جوزي.. يلا نصيب.
وهل بعد كل ما قالته تنهيه بكلمة نصيب زفرت أنفاسها الحاړقة وهي تحدقها بشړ
ومادام عارفة إنه نصيب بتلكي في الي فات ليه
تجاهلت حديثها وهي تهتف بينما توقفت عيناها على صورة يوسف المعلقة على الحائط وهو يحتضن زوجته وطفله
تعرفي إن يوسف كان بيحبني أوي وكان بيعمل ايه حاجة عشان بس يسعدني ومكنش بيبطل يعترفلي بحبه ده.
ضغطت بكفها على يد الكرسي تحاول عبثا التحكم في أعصابها قبل أن تقول بنبرة حاولت جعلها عادية
_ ومين قالك إني معرفش إن جوزي كان بيحبك! انا عارفه وأنت مصدمتنيش لما قولتيلي يوم الفرح زي ما توقعت عشان هو قايلي من اول ما جه يتقدملي.
وللمرة الثانيه تتجاهل حديثها وهي تكمل بمغزى
_ وياترى تعرفي انه لسه بيحبني 
ابتسمت لها باقتضاب وهي تضغط على نفسها كي تتحكم بأعصابها وقالت 
_ ليه هو قالك انه لسه بيحبك! اصل طول الوقت بيقولي انه بيحبني ولو كان بيحبك مكنش قالها لي.
ابتسمت لها بسخرية تسألها 
_ وأنت مصدقاه!
جلست تضع قدم فوق الآخرى وهي تردد بسخرية 
_ جوزي وابو ابني.. مصدقوش ليه!.
طالعتها بأعين واثقة قائلة
_ بصي يا صفية.. من غير دليل أنا وأنت عارفين كويس اوي إن يوسف لسه بيحبني ومحدش دخل قلبه غيري.. وأنا متأكده إنك واثقة من ده... يلا همشي انا باي يا حبي.
انهت حديثها خارجة من الشقة بأكملها دون كلمة اخرى..
ضغطت على شفتيها بقوة تمنع عبارتها المتجمعة في عينيها من السقوط.. وبكل أسف حديث غريمتها صحيح.. وبنفس الأسف حديثها هي مجرد كڈب.. منذ متى وقد اخبرها يوسف بحبه لها! متى حدث هذا سوى في أحلامها!... حتى كذبتها لم تكون قوية أمام غريمتها التي انهت الحديث بانتصارها.
لقد ارهقني حبك يا يوسف!.. جملة تتردد في عقلها بعد كل موقف يذكرها بأنها ليست مالكة قلبه.. وبالفعل لقد ارهقه حبها حتى أصبح ينال منها الكثير... ولا تعلم لمتى ستتحمل!.
 
مرر كفه على وجنتها بحب وهو يتأملها أثناء نومها منذ وقت مضى ولم يمل ولن يفعل فمعها هي بالأخص يمر يومه وكأنه ساعة ارتسمت ابتسامة فوق ثغره حين تنهدت أثناء نومها تحرك رأسها للجهة الأخرى وابتعدت بجسدها عن كفه الذي بدى يزعجها اقترب مرة أخرى كي يستطع ملامسة وجهها فأخذ يقبل وجهها حتى استمع لزفرة حانقة خرجت منها وتبعها غمغمتها بضيق
بس يا بدر بقى عاوزه انام.
توقف عما يفعله ليهتف بمرح
أنت تاخدي جايزة نوبل في النوم.. تعرفي إنك نايمة بقالك 10 ساعات.
فتحت عيناها الزيتونية وهي تضيقها لانزعاجها من الضوء وهمست بحنق
بتعدهم علي يا بدر!
اقترب بوجهه منها