انفصال روح بقلم اية طه


بجانبها تحمل في يديها علبة من المناديل.
فريدة بصوت مكسور تنظر للسقفماما أنا مش قادرة أتحمل أمجد مش مهتم بيا. حتى كلماته بقت جافة كأنها مش بتعني له حاجة.
سحر كانت تراقب ابنتها بعينين مليئتين بالقلق. بس يا حبيبتي هو مش عنده ظروفه برضه يمكن عنده شغل أو ضغوطات. لازم تكوني صبورة.
صبورة! اڼفجرت فريدة پغضب ثم تراجعت قليلا بسبب الألم الذي شعرته. أنا عيانة وبموت يوم بعد يوم وهو مش هنا. مفيش حد بيهتم. كل اللي يهمه هو نفسه! قالت ذلك بصوت متقطع وحست بچرح عميق في قلبها.
يمكن يكون مش قادر يواجه الوضع حاولت سحر أن تهدئها بس مفيش حاجة ممكن تعوضني عنك. مش عايزة أشوفك كده. لا بد إنه هيكون فيه تفسير.
فريدة أمالت رأسها إلى الجنب كأنها مش قادرة تتحمل النظر إلى والدتها. بس هو مبقاش موجود حتى في لحظاتي الضعيفة. أنا محتاجة له. كنت بحلم إنه يكون جنبي بس كل حلمي بقى كابوس.
ممكن تتكلمي معاه قولي له كل اللي في قلبك. قالت سحر بصوت عاطفي وهي تحاول دعم ابنتها.
كلمته! فريدة ردت بسرعة ووجهها صارم. كلمته وهو رد عليا بأسلوب قاسې. قال لي إن الحياة صعبة وإنه عنده مشاغله. وكأن مشاعري مفيش ليها قيمة!
سحر شعرت بالقلق يتصاعد في قلبها. لكن هو مش قصده يا حبيبتي. كل واحد عنده طريقته في التعامل مع الضغوط.
بس هو مش فاهم! صاحت فريدة ودموعها بدأت تتساقط. أنا مش عايزة أكون مجرد عبء. أنا عايزة أكون له شيء مهم عايزة أحس إنه حاسس بيا.
لو هو بيحبك هيرجع يفكر فيك. بس لازم تصبري وتتحملي. الصحة أهم شيء ولازم تركزي على العلاج. حاولت سحر أن تكون مصدر قوة لفريدة.
بس حتى الموقف ده مش مهم عنده! كانت فريدة تتحدث وكأنها تحاول إخراج كل مشاعرها. أنا مش قادرة أستحمل الألم من ناحية جسمي وفوق كده الألم من تجاهله. كأنني موجودة بس عشان أكون في مكانه.
سحر اقتربت من ابنتها واحتضنتها وبدأت تهمس في أذنها. يا حبيبتي أنا هنا. كلنا هنا عشانك. قولي لي إيه اللي محيرك وخليني أساعدك. لازم تحسي بالأمل. حتى لو كان الوضع صعب إحنا مع بعض.
فريدة ضمت والدتها إلى صدرها وبدأت تبكي بشدة. ماما أنا مش عارفة أواجه كل ده. مش قادرة أعيش في الظل. أريد أمجد يكون جنبي لكن الظاهر إنه مش قادر يتقبل حالتي.
لازم تتكلمي معاه بصراحة قوليله كل اللي جواكي. ما تسيبوش يخليك وحيدة. سحر وضعت يدها على كتف فريدة في محاولة لتعزيز روحها.
فريدة أخذت نفسا عميقا وشعرت بشيء من الهدوء. ممكن يكون عنده عذر لكن لو مر الوقت من غير ما يحس بيا هعرف إن كل حاجة بينا كانت مجرد أوهام.
وأنا هكون معاك في كل خطوة. سحر قالت بوضوح أنت مش لوحدك وده المهم.
فريدة مسحت دموعها وابتسمت بشكل ضعيف. شكرا لك ماما. بحبك.
وأنا كمان بحبك وهنعدي كل ده سوا.
بينما فريدة كانت تحاول تستجمع قواها دخل الدكتور حازم الغرفة بابتسامة لطيفة. كان هو طبيبها من فترة ودائما يحاول يرفع من معنويات مرضاه.
صباح الخير فريدة! عاملة إيه النهاردة قال حازم وهو شايل ملفه الطبي. كان صوته مريح وكأنه بيقول لها اطمئني.
فريدة نظرت له وكأنها بتحاول تسيطر على مشاعرها لكنها ما قدرتش تخفي نظرة القلق في عينيها. مش كويسة دكتور. أنا في حالة تعب.
أفهم. بس في حاجة جميلة النهاردة! سأل حازم وهو بيقرب منها النهاردة يوم مميز! قررت أجيب لك حاجة خاصة.
حاجة خاصة زي إيه يعني سألت فريدة مستغربة شوية.
آه فكرة سريعة! عندك جائزة صغيرة مستنية! هتجيبي شوية زهور من الممرضات كهدية من كل الناس هنا في المستشفى.
فريدة بدأت تضحك شوية وكأن الابتسامة بدأت ترجع لوشها. بجد
أيوة! زهرة جميلة تستحق إنها تكون معك في الفترة الصعبة دي. رد حازم بس لازم تتعافي الأول فصحتك هي الأهم.
سحر والدتها تدخلت وقالت ربنا يباركك يا دكتور حازم. وجودك هنا بيدي طاقة إيجابية.
أنا بحب أشوف مرضاي في حالة كويسة وخصوصا فريدة. نظر إليها حازم وبعدين أضاف تفتكروا إني قلت لك إن الضحك هو أحسن دواء
فريدة نظرت له بعينين مليانين أمل أنا مصدقة كلامك بس الموضوع صعب.
طيب خلينا نتكلم في حاجة مختلفة قال حازم وهو بيفتح ملفه. إيه رأيك في الأفلام عندك فيلم مفضل تحبيه
بحب الأفلام الرومانسية ردت فريدة بس مش قادرة أشوف حاجة دلوقتي. كل حاجة بتفكرني بحالتي.
عندك حق. بس مش أحسن لو نتكلم عن حاجة تضحكك مثلا تخيلي لو كان أمجد هنا دلوقتي. هتعملي إيه سأل حازم وهو مبتسم.
فريدة اڼفجرت بالضحك. أكيد هقول له إنه مش عارف يتعامل مع البنات!
إيه رأيك نعمل له مقابلة هنا قال حازم بلهجة مرحة يمكن يجيب معاه باقة زهور ونعمل منه بطل مش عارف يتصرف.
فريدة ضحكت أكتر بس هو بيحب الزهور يعني هيكون هو الشخص المناسب يجيبها لي!
أعتقد إنك هتلاقي طريقة تعملي له درس! قال حازم وهو مبتسم بس بجد لازم تكوني قوية كلنا هنا عشان ندعمك.
سحر تدخلت وقالت ربنا يخليك يا دكتور وجودك مهم جدا. فريدة محتاجة دعمها.
حازم nodded وقال تذكري فريدة القوة جواكي. المړض مش هيأثر على روحك. عندك ناس كتير حواليكي وكلنا معاك.
فريدة حست بشوية أمل بيرجع في قلبها. شكرا دكتور حازم. أنت دائما بتحسسني بتحسن.
ده هو هدفي. والنهاردة خلينا نتكلم عن أفلامك المفضلة عشان نضحك شوية.
البارت 6
قاسم كان واقف ساكت وهو يستمع لحماته كل كلمة كانت تخترق قلبه وكأنها سكاكين حادة. كانت حماته تتحدث ببطء كأنها تحاول أن تجد الكلمات التي تبرر لنفسها ما فعلته لكن كانت كل كلمة تثقل قلبه أكثر.
بنتك توفت بعد الولادة بدقائق ما فيش مرة أول مرة يحصل كده مع بنتي... كنت خاېفة عليها خاېفة من القهر من كسر النفس. خصوصا إن احتمالات إنها تحمل وتولد بعد كده ضعيفة جدا. لكن في نفس اللحظة كان في ست تانية جابت توأم بنات في نفس الوقت... اللحظة اللي توفت فيها بنتك قررت أبدلهم.
قلب قاسم بدأ ينبض بسرعة مش قادر يصدق اللي بيسمعه. إزاي إزاي تعملي كده! كان صوته متكسر من الألم.
عارف إن اللي عملته غلط أنا مكنش فارق معايا غير بنتي كنت عايزة أنقذها من كسر القلب. كان عندي بنت تانية والأمور كانت هتتبدل. قلت لنفسي هما يكتفوا بواحدة وأنا أخدت البنت التانية عشان أنقذها. ساعتها مش كنت عايزة غير إن بنتي تعيش وتكبر حتى لو كان الثمن غالي حتى لو كنت بعمل حاجة غلط.
كلماتها كانت غريبة ما بين الاعتراف بالخطيئة وبين الألم والندم. قاسم كان يمر بمرحلة من الصدمة مش قادر يفهم إن الفقد اللي كان بيشعر بيه كان بسبب قرار لا يصدق.
قاسم ظل ساكت لثوان طويلة الدماغه مش قادره تركز على الكلام اللي سمعه. قلبه كان مش قادر يستوعب لكن الحاجة الوحيدة اللي قدر يفكر فيها هي فريدة. كان عاوز يساعدها بأي شكل يخرجها من الحالة اللي هي فيها.
نظر لحماته بعيون مليانة پغضب وحزن وقال بصوت خاڤت لكنه حازم أنت بتقولي إنك أخدت البنت التانية مكان بنتي... طيب أهل البنت دي فين لازم نتواصل معاهم لازم نعرف منهم أكتر عشان أقدر أساعد فريدة.
حماته فجأته بنظرة متوترة وكأنها كانت خاېفة من سؤاله ده. أهلها أهلها مش هنا. البنت دي جاية من مكان بعيد ما فيش تواصل مباشر مع عيلتها. إحنا عملنا كل ده عشان سلامتها بس ما كنتش عايزة تقولي لهم.
قاسم وقف مكانه وكأن الأرض تهتز تحت رجليه. إزاي يعني ازاي تعملي كده من غير ما تفكرين في العواقب الناس دي عندهم حق يعرفوا وأنا مش هسكت.
حماته حاولت تهدئته لكن صوتها كان متوتر أكتر قاسم كان الهدف كله هو إن فريدة تعيش... أنا كنت خاېفة على صحتها وكان ده القرار الوحيد اللي لقيته في اللحظة دي.
قاسم قطع كلامها وهو يصر على وجهة نظره مش هقدر أعيش في حالة عدم يقين. لازم أبحث عن أهل البنت دي ولو ما قدرتش أساعدهم من البداية لازم نتأكد إن فريدة هتبقى بخير. مش هقدر أعيش وأنا مش عارف إذا كان في حد من أهلها ممكن يوصلنا لحقها.
فريدة كانت في دماغه طول الوقت ودموعها في عينيه مش قادرة تفارقه وكان عاوز يعرف إذا كان فيه حل من أي نوع يساعدها على تجاوز الألم النفسي اللي بتمر بيه.
حماته نظرت إليه بعينين مليئتين بالتوتر كأنها تعرف أن اللحظة دي هتحدد مصير كل حاجة وكل كلمة هتخرج منها ممكن تكون القشة اللي تكسر ظهره. كانت تقف أمامه تحاول تجميع أفكارها عارفه إن كلامها هيكون مؤلم أكتر من أي وقت مضى لكن كان لازم توضح له الحقيقة مهما كانت قاسېة.
العيلة التانية... مش عايزة أقولك عليها بس هم من محافظة بعيدة. عيلة كبيرة غنية وضعهم الاجتماعي عالي. ما فيش أي فرصة إننا نتواصل معهم ده ممكن يسبب لنا مشاكل كبيرة. أنا بقولك دا علشان أنت عارف لو عرفوا هيخدوا فريدة منهم. صوتها كان متقطع كانت تحاول أن تبرر لنفسها كل شيء لكن عرفت إن مافيش مفر من الحقائق اللي مش هتقدر تهرب منها.
قاسم كان مشدود دماغه مروحة بين الۏجع والڠضب مش قادر يستوعب إن كل ده حصل. إزاي تقدروا تعملوا كده أزاي تخبي عليهم فريدة دي بنتهم! لو كانت عيلة غنية هل دا يعني إنهم يقدروا ياخدوها منك ما كانش فيه حل تاني
أنا كنت خاېفة... خاېفة على سحر بنتي خاېفة إن لو عرفوا ييجي يوم ونكون فقدنا فريدة. أنت عارف إن دي مش سهلة وكمان ما كنتش عايزة أكسر قلب سحر... إزاي تقدر تشوف فريدة تتشال منها دا كان القرار الوحيد أنا كنت عايزة أمنع أي ألم عن سحر وعن فريدة نفسها.
قلب قاسم كان بيتنقل بين مشاعر متضاربة. كان فاهم إنها فعلت كده بدافع الحب والخۏف بس دا ما يغيرش من الحقيقة. اللي عملته حماته ده كان خطأ فادح وكان ممكن يسبب مشاكل أكبر بكثير. هو كان يعرف إنه لازم يعرف كل شيء لازم يواجه العواقب علشان حتى لو كان في حل يبقى قدامه الفرصة ليفكر في فريدة ومستقبلها.
يعني... فريدة لو عرفوا إنها بنتهم هياخدوها وكده خلاص ما فيش أي حل تاني
حماته هزت رأسها بحزن. آه هم هيخدوها. عيلتهم أغنى مننا ومكانتهم في المجتمع أعلى. مش هقدر أقاومهم لو اتكشف الموضوع ده. وأنا مش هقدر أعيش بحمل الغلط اللي