دمية مطرزة بالحب بقلم ياسمين عادل الجزء الأول


قطع ضحكهم صوت رنين هاتف يزيد ف تنحنح مستعيدا جديته وأجاب 
أيوة يا يونس حاضر مسافة السكة
أغلق الهاتف و 
أنا لازم اخرج دلوقتي كلمني لو حصل حاجه كده كده هرجع على الشركة لو لقيت وقت
تمام
وخرج
خرج ومازالت ضحكته تلوح على طرفي ثغره غير قادر على إخفائها كلما تذكر حتى إن رغدة رأت تلك الضحكة التي تغرف سببها جيدا تآكلت من الداخل وهي تراه سعيدا هكذا وكيف يكون سعيدا وهي التي تسعى ب شتى الطرق كي تفسد كل لحظاته كي يعيش فقط شعور الألم كي ترى في عيناه الندم فقط ولكن خاب ظنها هي فقط من تتعذب الآن وتتعذب بلا شفقة أو رحمة تعيش اختيارها ويا له من أسوأ أختيار
لليوم الثالث على التوالي لها بالمشفى 
حاول الطبيب كثيرا ب إقناعها أن تلبث معهم يومين آخرين تحت إشراف طبي قوي ولكنها كانت متعندة للغاية رافضة أي محاولة کرهت رائحة المشفى وأحست كأنها لا تستطيع النوم من فرط الألم ومن شدة الأرق والقنوط من المكان
تنهد الطبيب فاشلا معها وفي النهاية رضخ رغبتها 
خلاص اللي تشوفيه بس لازم راحة تامة وهشوفك آخر الأسبوع عشان الغيار على الچرح لازم يتم بطريقة طبية منضبطة
أومأت برأسها و 
ماشي بس اخرج من هنا
ف تدخل إبراهيم متسائلا بحيرة 
هي هتقدر تمشي ولا ناخد لها كرسي بعجل معانا
ف أجاب يونس وكأنه قد اتخذ القرار 
لأ مش هناخد كرسي ولا حاجه عربية الإسعاف هتنقلها من هنا للبيت مباشرة من غير أي مجهود منها
ف رمقته ملك بنظرات حانقة لأنه قرر بدون أن يسأل عن رأيها حتى ثم أردفت 
أنا مش هروح البيت
ف ابتسم يونس بسماجة وهو يقول 
مين قالك هوديكي البيت!
ف تدخل إبراهيم هو الآخر وقد اعترض قائلا 
مش هينفع تقعد في عربية الإسعاف ٣ ساعات سفر يايونس!
ف وزع الطبيب بصره عليهم وأردف ب استغراب 
سفر!! مينفعش ليها سفر نهائي اليومين دول
ف صحبه يونس نحو باب الغرفة كأنه يطرده و 
متقلقش يادكتور البيت قريب من هنا أنا مجهز كل حاجه
ثم خرج معه لحظات وعاد بعدها يدخل ويغلق الباب استندت ملك على الفراش وهي تعتدل وقالت بنبرة محتدمة 
أنا مش هروح معاك تاني في حته أنا هقعد عند نغم
ف ابتسمت نغم التي كانا تقف جوارها مباشرة ب انشراح و 
على راسي
طبعا ياحببتي
في هذه اللحظة تحديدا كان يونس يميل عليها بنصف جسده العلوي ليكون أقرب وتعابيره أوضح لها تراجعت سنتيمتر برأسها للخلف وهي تراه قريبا هكذا بينما قال هو بهدوءه المعتاد 
أسمعي ياملك أنا عجباني أوي حميتك وشجاعتك بس للأسف مش هتنفعك بحاجه دلوقتي ومعايا أنا بالذات قدامك اختيارين مفيش ليهم تالت واحد إنك هتسلمي أمرك لله وليا وتسكتي خالص وهتيجي معايا أتنين إنك هتفضلي هنا ومش يومين بس هتفضلي موجودة لحد ما چرحك يلم خالص
كادت تتحدث بنبرة رافضة حكمه و 
لأ طبعا آ
ولكنه قاطعها وهو يهز رأسه بالسلب 
تؤتؤتؤتؤ أنا مش يناقشك أنا بقولك ياأما واحد ياأما اتنين أروح أخلص تصريح خروجك ولا نقعد هنا
تنفست بضيق وهي تحس عجزها أمام وضع إجباري فرضه عليها إنا نصف الحرية فقط أو عدمها لم تجيبه ف ابتسم هو ابتسامة أزعجتها وهو يعتدل في وقفته و 
كده هروح أعمل التصريح عشان أشوف بعد كده العربية اللي هتنقلك من هنا
دخل يزيد بعد أن قرع الباب و 
يونس أنا جيبت عربيتك من المغسلة وموجودة تحت
أومأ يونس وهو يتحرك ليخرج بينما أمسكت ملك بيد صديقتها وجذبتها نحوها 
تعالي معايا مش عايزة أقعد لوحدي
ف تنغض جبين نغم بحزن و 
مش هقدر أنا معرفش حد من ولاد عمك ومش هعرف اسيب البيت أكتر من كده أنا بقالي يومين مروحتش سامحيني بس هجيلك
التفتت ملك برأسها فلم تجد والدها حيث كان تنهدت وأطلقت زفيرا معبئا بهمومها وأردفت بنبرة يشوبها الخذلان 
كويس إنه خرج يعني كنت هعمل إيه بوجوده اللي شبه عدمه بالظبط
ف دافعت نغم عنه وهي تقول 
لأ ياملك عمو كان ھيموت من الحزن عليكي ده مشافش النوم ولا عينه غمضت عشان يطمن عليكي
ف أشاحت برأسها بعيدا وهي تخبئ دمعة ترقرقت برقة مرورا بأهدابها و 
ياريته كان حس بيا بدري مش بعد كل اللي حصل فيا
وتركت ذاكرتها تسبح من جديد في ذلك العالم الذي حبست في ذكرياته المخذلة كي تعاني الألم من جديد بل وأضعاف
كان إبراهيم قد خرج حينما شعر ببوادر نوبة من الألم الحاد ستجتاحه الآن لتمزق في ضلوعه وتنهشها بلا رحمة وجلس خارج غرفتها بالردهة الطويلة خرج كي لا تراه أو تحس ضعفه تناول حبتين من المسكن الخارق الذي سيقضي على أجهزته المناعية أو بالأحرى قضى عليها كي يسكت ذلك الصياح الذي يجول بداخله وعندما رآه يونس هكذا كان قد قرر تنفيذ ما عزم عليه 
كان يطالعه بنظرات متضايقة لما آل إليه حاله ف قطع يزيد تفكيره غير منتبها لما ينظر نحوه وسأل 
طالما مش هترجع المزرعة هتوديها فين
ف زفر يونس وهو يشيح بوجهه بعيدا و 
مكان قريب أوي قريب من هنا وقريب من قلبي
ثم نظر لشقيقه متابعا 
مكان هيشفيها بجد
وكأن يزيد قد فهم على الفور ما يجول في رأسه و 
أوعى تقول اللي في بالي! 
تقريبا هو
ف ابتسم يزيد ابتسامة واسعة و 
يبقى أنا مش جاي معاك أنا مش هقدر أقابلها دلوقتي واتواجه معاها بصراحة ومن الآخر مش عايز اتهزق
وضع يونس يديه في جيبي بنطاله و 
أمال مين هيجيبهم لحد هناك أنا لازم أسبق عشان أهيأ الجو
يونس أنا آ
فقاطعه بعدما عاد ينظر ل عمه من جديد 
شوفلنا دكتور الأورام اللي هنا فين ومواعيده إيه عمي لازم يبدأ بالعلاج فورا
وسرعان ما انتقلت عينا يزيد تبحث عن عمه حتى رآه يجلس هزيلا ضعيفا هكذا وهو لم يعتاد رؤيته سوى قويا شامخا ف تهدل كتفي يزيد وتسائل بحيرة 
هيرضى 
مش ب إرادته يايزيد حياته وسطنا ده قرارنا كلنا مش من حقه يحكم علينا وعلى بنته بغيابه يلا روح
قالها وتحرك بعدها نحوه تاركا شقيقه ليرى في عمه من بعيد صورة والده حسن لطالما كان إبراهيم أب ثان له وهو لن يترك أبيه الثاني 
كانت تلك العجوز الشقراء ذات الشعر الذهبي الذي لم يتخلله الأبيض والتي لا يبدو إنها تجاوزت السبعين من عمرها تجلس في الحديقة الصغيرة الملحقة بمنزلها الفاخر في إحدى التجمعات السكنية الحديثة والمرفهه تقرأ في كتاب باللغة الإنجليزية وهي ترتدي نظارة القراءة خاصتها ومتعمقة فيها بكل كيانها ابتسمت بنعومة لتبرز بعض خطوط التجاعيد التي زادت من جمالها وكأنها انسجمت مع عبارة ما لمستها ثم عادت تتابع بشغف إلى أن استمعت لصوت ابواق سيارة بالخارج لم تهتم أو ترفع بصرها عن كتابها بينما كان يونس قد ترجل عن سيارته وراح ېختلس النظر
إليها وهي تجلس هكذا فكر قليلا في عذر يسترق به سماحها ولكنه لم يجد
ف أطرق رأسه وحمحم وهو يخطو نحوها ببطء إلى أن رأى خادمتها الوفية التي
تعمل لديها منذ خمسة وعشرون عاما تخرج من البوابة الداخلية وهي تحمل كأس مشروب النعناع البارد مع الليمون
وما أن رأته خديجة حتى انبعجت شفتيها وصاحت 
أستاذ
يونس! يامرحب يامرحب
لم ترفع كاريمان بصرها عن كتابها وتجاهلت ما سمعت هي في الأساس تعلم إنه هو الذي أتى ولكنها تعمدت تجاهله بعد أن غاب عنها لفترة طويلة حتى ماټت من شوقها له
دنت الخادمة منه ف تناول منها يونس المشروب الخاص ب جدته و 
أزيك يادادة عاملة إيه
ف ربتت خديجة على كتفه بحنو وهي تشبع نظراتها منه و 
الحمد لله ياحبيبي في نعمة
ثم نظرت في اتجاه كاريمان و 
دلوقتي هتشد ودانك عشان غيبت عنها كل ده
فرك يونس أذنه جيدا وهو يستعد للقائها و 
عارف
ثم مشى نحوها وما أن اقترب حتى حاول أن يسرق مسامحتها
كاريمان هانم
ثم وضع مشروبها على الطاولة و 
مش لازم كل مرة تحلوي وتصغري أكتر من المرة اللي قبلها
تركت كتابها جانبا ووقفت استندت على عصاها وهي تمشي من أمامه بدون أن تجيب أو تتحدث معه وكأنه بم يكن موجودا ف راقبها بنظراته بينما تلوت شفتي خديجة و 
قولتلك زعلانة من غيبتك
مكنتش اعرف إنها زعلانة أوي كده أول مرة تشوفني ومتحطش دماغها على صدري وتنكش شعري بس انا مش هيأس
ثم نظر لساعته و 
مفيش وقت لكل ده!
سحب المشروب مرة أخرى وكتابها العزيز الذي تقرأ فيه للمرة المائة بدون سئم ثم لحق بها راكضا
كانت قد جلست في شرفة غرفتها تنظر للخلاء حتى أحست به يأتي من خلفها مبررا 
والله ڠصب عني أنا مقدرش اغيب عنك وانتي عارفه
ف صاحت به باللغة التركية 
Yalancı كاذب
أنت بتنسى كل الدنيا وانت في المزرعة بتاعتك مع خيولك ومع ريحانة خلي الحصانة بتاعتك تنفعك لما أموت زي أمك أبقى افتكر تزورني
انقبض قلبه وتألم بعدما ذكرته بوالدته وبإنه لم يحضر حتى عزائها لتواجده خارج البلاد وقد تأخر في اللحاق بها بلحظاتها الأخيرة عبس واكفهر وجهه وضاق صدره كأن يدان يطبقان عليه ولكنه حارب شعوره لوجود وضع جادي يستدعي حسن تصرفه 
متقلقش إن شاء الله ھموت قبلك عشان مبقاش شوفت اليوم ده مرتين
وكأنه يستعطفها هكذا ف وخزها قلبها هي الأخرى وهي تنهض عن مكانها وبالفعل جذبت أذنه وهي تشدد عليها أصابعها تعاقبه على قوله السئ و 
متقولش كده تاني قدامي سامع
ف أحنى بصره ب احترام لها و 
آسف
ثم تركته وعانقته بقوتها الضعيفة و 
وحشتني يايونس Çok كتير
مسح على ظهرها بلطف وقبل رأسها و 
وانتي جدا مفتقدك بجد يانينة
ثم تذكر أمر ملك ف اتسعت عيناه وهو يبتعد عنها و 
كاريمان أنا في مشكلة ولازم تساعديني
ف ذعرت وهي تسأل 
في إيه!!
وهنا استمعت لصوت صافرة عربة الإسعاف وهي تقف أمام البوابة يسبقها سيارة يزيد والحارس يسمح بدخولها بعد أمر من يونس الذي أخبره بذلك منك قليل
اتسعت حدقتي كاريمان وهي تنظر بتركيز مستندة على درابزون الشرفة وسألت بقلق اعتراها 
فيه إيه يايونس إيه جاب عربية الإسعاف هنا!
ف ذم يونس شفتيه و 
هي دي المشكلة في ضيفة محدش غيرك هيقدر يستضيفها
ف استدارت كاريمان ببطء يناسب قدرتها الجسمية و 
ضيفة مين!! وليه عندي هنا
هفهمك بشكل موجز عشان الوقت ضيق
دخلت سيارة الإسعاف من البوابة وبدأ المسعفين في نقل السرير النقال من العربة إلى داخل المنزل بتوجيه من يزيد ثم بدأ يقودهم لأحد الغرف العلوية والتي كان يقيم فيها يونس عندما قضى أغلب ليالي إقامته هنا كانت ملك تنظر للمنزل من حولها بنظرات متعجبة وإحساس الإختناق ما زال متمكنا منها تشعر إنها مسيرة لا مخيرة بعدما نصحها هو بأن تتمرد على الأوضاع التي لا تروق لها هو الذي يحكم عليها بالأسر هنا في مكان لا تعرفه وكأنه يقول أن مفتاح قيودها معه هو فقط
خرج المسعفين بعدما تركوها ترتاح على الفراش وغادروا المنزل برفقة يزيد ثم