دمية مطرزة بالحب بقلم ياسمين عادل الجزء الثاني


تركه على وضعية الصامت ف مسح فمه بالمنديل القماش وتناوله وهو ينهض عن المقعد 
ثواني وراجع
وابتعد عن هنا لكي يتحدث ب أريحية 
عينيها اللاتي تتجولن على السقفية وقد فتحتهم منذ بضع ثوان بعد نوم ثقيل شعرت ب فارق شاسع بعدما تعاطت قرص مسكن للألم واستخدام دهان الجسم المعالج للكدمات والتورمات باتت في حال أفضل رغم تأثير النعاس الذي سببه مسكن الألم 
تنهدت وهي تستدير برأسها للجانب وحركت ساقيها گتجربة أولى ل استشعار مدى تألمها ثم اعتدلت في نومتها مستندة بظهرها على الوسادة بدأت تعي كل ما حولها حتى أن تلك الرائحة الجذابة بدأت تتسلل بلطف لأنفها بحثت من حولها عن مصدر تلك الرائحة ولكن لم تجدها تشتت عقلها وحاز الأمر على اهتمام كبير منها خاصة بعدما شعرت ب إنها رائحة يزيد 
تركت زفيرا يخرج ببطء من بين أضلعها التي شعرت ب خفقان قلبها وتحسست ملابسها وهي تنظر إليها بنظرات مضطربة أمالت رأسها نحو ثيابها مستعينة بحاسة الشم خاصتها ل تدرك فورا أن تلك الرائحة عالقة بها هي ازداد خفقانها وأغمضت عيناها بعدما التصقت أنفها ب ملابسها لبضع ثوان وحضر بمخيلتها ذلك المشهد الذي لم تكن تشعر به بسبب طغيان شعور الألم على حواسها أجمع حمله لها وقربه الشديد والغير متعمد منه خوفه عليها واهتمامه ب شأنها وحتى توبيخه العڼيف والمشدد لها 
خرج عيسى من البناية العريقة التي أتى ل زيارتها حينما كان يتحدث ل يونس في الهاتف ل يخبره ب مستجدات تحرياته 
عرفت من الأمن إنه واخد الشقة دي إيجار مفروش من حوالي شهر ونص ولسه موصلتش لسكن ثابت ليه
تضاعفت شكوك يونس حول زهدي وهويته كانت مجرد تخمينات غير مبررة ولكنها الآن أضحت شئ أشبه بالحقيقة 
فكر يونس ل لحظات قبل أن يردف ب 
إحنا لازم نوصل ل أصل وفصل الراجل ده عشان لو شكوكي طلعت في محلها هيكون في خطة تانية توصلنا للي بندور عليه
ف أكد عيسى على مجهوداته المضنية التي لا يكل منها 
قريب أوي أنا شغال على كذا حاجه لو ظبطت معايا و 
انقطع صوته وانخطفت أنفاسه لوهله مع ارتجافة قلبه إنه حقا يراها الآن ويرى طفله الذي حرم من رؤيته لسنوات أمام ناظريه تحديدا على الصف الثاني يفصل بينهما طريق عمومي لمرور السيارات من الجانبين أبعد الهاتف عن أذنه تلقائيا وأوفض بدون حتى أن ينظر على جانبيه وقد اڼفجرت الډماء المحفزة في عروقه وهو يصيح 
مازن! يا مازن!
عبر الطريق الأول وسط أبواق السيارات السريعة التي تجاوزها بسلام وأثناء مروره الطريق الثاني بعدما التفتت زوجته أثر صوته لتراه يركض ناحيتهما توترت متفاجئة من هذا الوضع وما أربكها أكثر تلك الشاحنة الضخمة التي تسير بسرعة مخيفة وهو مقبلا عليهم ف صړخت به ليتوقف 
حاسب ياعيسى !
ولكن إنذارها قد أتى متأخرا ل تصطدم عيناها بذلك المشهد الدموي حتى صغيرها صړخ بصياح مذعور 
بابا !!!!!
الفصل الرابع والستون 
الإفتقار والحنين أحيانا يجعلان من الإنسان شخصا أعمى 
__________________________________________
أصر يزيد إصرارا شديدا أن يرافق يونس في اللحاق ب عيسى بعدما علم بما أصابه من نائبة ف عيسى ليس شخصا عاديا بالنسبة لهم بل إنه رسم بنفسه المكانة العليا التي تليق به وأثبت جدارته واستحقاقه لذلك بفترة وجيزة 
كان يزيد يصارع السيارات اللاتي تسيرن أمامه متجاوزا أغلبها بسرعات فائقة وبدون الإكتراث ب أي اعتبار آخر حتى إنه تعرض للسب أكثر من مرة نتيجة تهوره 
أغلق يونس نصف زجاج النافذة ل يتفادى ارتطام الهواء البارد ب صفحة وجهه وصاح فيه 
يابني آدم إحنا بالشكل ده هنحصل عيسى مش هنلحقه!!
كان يزيد على قدر عال من البرود وهو يردف ب 
لو مسوقتش كده الغجر اللي سايقين وراك هيحطوا علينا
انحدر يمينا لكي يتجاوز السيارة الرمادية التي تسير أمامه ولكنها انحدرت هي الأخرى في اتجاهه اضطر أن يعود إدراجه ويحاول تجاوزها من اليسار ولكنها تحركت معه مرة أخرى ف نفخ يزيد ب انزعاج وقد انتزع قناع الهدوء ذاك وضغط على الإضاءة عدة مرات ل لفت انتباهه ثم أطل برأسه من النافذة وهو يصيح 
ما تنجز ياعم ياتيجي يمين ياشمال!
نظر يونس من المرآة الجانبية و 
تعالى كده شوية!
ف انفعل يزيد وهو يقول 
مزنق عليا ابن ال 
وأخيرا استطاع تجاوز السيارة فلم يهدأ إلا بعدما صاح أثناء مروره بمحاذاة السيارة 
دي تلاقي أمك اللي جيباهالك!
ف عنفه يونس على أسلوبه الوضيع في التعامل أثناء القيادة و 
إيه اللي دخل أمه في الكلام! يايزيد خلينا لامين نفسنا!
ف استهجن يزيد أخلاقه المثالية في مثل تلك الأمور و 
ياعم بلاش الأدب ده هتودينا في داهيه دي واحدة ست اللي سايقة يعني لو استنيتها كان زمان المحشي استوى وهي لسه بتفكر تعدي إزاي!! دول آخرهم يقعدوا قدام التليفزيون ويدخلوا المطبخ واحدة زي دي بتعمل إيه السعادي في الشارع وفي طريق سفر زي ده!! مرقعة فاضية
ف اشتعلت رأس يونس متأثرا بحديث شقيقه السلبي ولم يتحمل صبرا أكثر من ذلك 
أقف أقف على جمب أنا اللي هسوق
ف أبطأ يزيد من سرعته وهو يسير نحو الرصيف بالناحية اليمنى حتى توقف وترجل كل منهم عن مكانه ليتم تبديل الأدوار حينئذ مرت سيارة الفتاة التي كان يسابقها يزيد في منتصف الطريق فتحت زجاج السيارة وردت له إهانته حيث قذفت إسطوانة مشروب غازي فارغة على السيارة وهي تصرخ به 
ياهمجي!
اڼفجر يونس ضاحكا بعدما تلقى يزيد ردا شرسا منها على مبادرته ب إھانتها والسخرية منها لم يستطع يونس كبح ضحكاته الهيسيرية التي سيطرت عليه حتى اغرورقت عيناه بالدموع في حين كان يزيد متسمرا بمكانه تذكر نعت نغم له بنفس الصفة في صبيحة اليوم ولكن ما أزعجه أكثر هو تمادي يونس في الضحك حتى بعدما استقر بمقعد القيادة 
وما أن ضبط انفعالاته وتوقف عن الضحك نظر ل شقيقه وداعبه قائلا 
ما خلاص يايزيد هتفضل واقف عندك كتير ولا إيه! مكنتش كلمة دي اللي هتهزك
جلس يزيد بجانبه وسأل قبل أي شئ 
هو انا همجي فعلا
بدأ يونس ب قيادة السيارة حينما كان يجيبه 
أحيانا
واختتم كلمته ب الضحك ف تنغض جبين يزيد ممتعضا وهو يشير للطريق قائلا ب سخرية 
يلا يايونس سوق وأخلص أنا متفائل بيك هنوصل بعد ٣ ساعات ان شاء الله!
وبتر الحديث أو الأحرى
إنه اعتكف عنه ظل محتفظا بصمته وب سمات وجهه المكفهر حتى يصل يونس للمشفى بينما في الحقيقة عقله قد سافر للبعيد حيث نغم التي تركها هناك بدون أن يمر إليها انشغل باله بها كثيرا وتسائل ترى كيف حالها الآن 
لم يتركه لحظة وكأنه يعوض حرمان السنوات الماضية شوقه وحنينه ل طفله لا توصف ب بضع كلمات حتى هو لا يدرك الحالة التي دخل فيها منذ أن أصبح مازن في أحضانه 
تشبثت عيسى به رافضا تركه بأي شكل حيث كان ممددا بجواره على الفراش في المشفى أثناء التهاء الأطباء بوضع ذراعه اليسرى في الجبس يضمه إليه ب عاطفة جياشة والصغير مستسلم لوالده استسلاما عفويا نتج من فرط حنينه له واشتياقه الجارف الذي ضاعفته السنون 
انتهى الطبيب من وضع ذراعه في الجبس وابتعد عنه قليلا وهو يردف 
دلوقتي تقدر تقوم
ف تسائل عيسى ب اهتمام 
هو الأستاذ اللي اتنقل معايا في الإسعاف وضعه إيه !
ف ذم الطبيب شفتيه بأسف وهو يفسر الوضع الحرج 
للأسف وضعه صعب وهيدخل عمليات بعد وصول حد من أهله أنت ربنا كتبلك عمر جديد
ف تنهد عيسى وهو يضم مازن لصدره أكثر وأكثر و 
الحمد لله رب العالمين
ومرت بمخيلته لمحات قاسېة مر بها منذ قليل كان على شفى حفرة من المۏت كأنه رأى عزرائيل بنفسه وبهيبته يرفرف أعلى رأسه ليقبض روحه نجا بمعجزة لا يستوعب عقله حتى الآن كيف حدثت لولا ذلك الشاب الذي كان يقود الدراجة الڼارية ل أصبح عيسى الآن في خبر كان 
عودة بالوقت للسابق
كان عيسى يركض گالأعمى لا يرى سوى طفله الذي تفصل بينهما عدة أمتار بعد بحث طويل وممل لسنوات عجاف ها هو أمام ناظريه حيا حقيقة ملموسة وليست تهيؤات يتخيلها 
لم يرى تلك الشاحنة الضخمة التي يقبل ناحيتها ولولا وجود ذلك الشاب صاحب الدراجة ل كان عيسى مېتا الآن حيث صډمه صاحب الدراجة متعمدا وكأنه يبعد به من أمام الشاحنة بحركة مباغتة جعلت سائق الدراجة ينقلب رأسا على عقب فورها وتطاير جسده في الهواء في حاډث جعل أغلب المارين بسياراتهم يتوقفون في حين كان عيسى قد سقط على ظهره مرتطما بالأرضية الصلبة كل شئ حدث في غفلة من الزمن وفي لحظات عسيرة لم يدرك أيا من الجميع كيف مرت والآن هو هنا في المشفى 
عودة للوقت الحالي
أفاق عيسى من غفوته الشعورية على صوت يونس المتلهف الذي حضر في زمن قياسي للإطمئنان عليه 
رفع عيسى بصره المشوش صوب يونس الذي اقترب منه متسائلا 
عيسى!! طمني عليك الدكتور بيقول إنك بخير
وتفحصه بنظرات سريعة وهو يتابع 
أنا مفهمتش حاجه منك في التليفون
اغرورقت عينا عيسى وأشار بنظراته نحو الصغير الذي مازال محاوطا إياه ب ذراعه قائلا بنبرة غلبها الحنين 
إبني مازن
انتقلت نظرات يونس على الفور إلى الصغير هو يعرفه جيدا تحدث عنه عيسى مسبقا عدة مرات حتى إن يونس حاول ب وساطة معارفه الوصول إليه ومعرفة مكانه من أجل والده ولكنه لم يجد له أثرا 
بدأ يونس يفهم شيئا ف شيئا وأومأ برأسه متفهما الوضع 
طب وصلتله إزاي 
أطبق عيسى جفونه بقوة وطبع قبلة أبوية حانية على رأس مازن وهو يقول 
صدفة شوفت إبني صدفة ياباشا
ثم انتقلت أنظار يونس نحو شقيقه الذي كان يتابع الوضع مذهولا مما يراه وأردف ب 
معلش يا يزيد ممكن تاخد مازن وتستنى برا دقيقتين
آه طبعا
بسط يزيد يديه نحو الصغير مبتسما بلطف و 
تعالى ياحبيبي
تمسك مازن بوالده وډفن وجهه في صدره قائلا ب صوت معترض 
مش هسيب بابا بابا متسيبنيش تاني زي ما سبتني زمان
ف انقهر عيسى من المعنى المجحف الذي تحمله كلمات الصغير العفوية وشدد ذراعه عليه وهو يعاهده ب ألا يحدث ذلك 
مش هسيبك ياحبيبي ده انا ما صدقت لقيتك يامازن
انحنى يونس على الصغير مسح على رأسه برفق وتحدث ب صوت رخو 
مازن بابا عمره ما سابك دي كانت ظروف وخلاص راحت لحالها أنا بس عايز أقوله كلمتين في الشغل ممكن تسمحلنا بدقيقتين بس
وزع مازن نظراته بين ثلاثتهم ثم نهض من مكانه وسار ب اتجاه يزيد الذي صاحبه للخارج وهو يقول 
تعالى يابطل
خرج مازن من الغرفة ف وقف عيسى عن جلسته وقد فاضت الدموع من عيناه غير قادرا على التحكم فيها 
إبني فاكر إني سيبته ميعرفش إن أمه خدته من حضڼي واختفت بيه بعيد عني
ف تعاطف يونس مع حاله المزري
وحاول جاهدا أن يجعله يهدأ قليلا 
أهدى ياعيسى متسيبش نفسك
كده هنوصل لحل في الموضوع