رواية لولا التتيم(الفصل الثاني عشر إلى الأخير) بقلم ناهد خالد


تؤدي لأسفل التفوا حول الباب المؤدي لأسفل وبدأوا في تبادل إطلاق النيران.. حتى التقط آدم قنبلة يدوية وقام بقڈفها لتصل للقبو.. ولكن حدث ما لم يتوقعه حين أمر الجميع بالخروج من المصنع المهجور ولكن أثناء ركضه للخروج هو الآخر توقف وجحظت عيناه بشدة حين أبصر طفلا صغيرا يقف في المقدمة وحوله عدة أطفال أخرى بينهما وبين القنبلة عدة سنتيمترات....
لولا_التتيم الفصل_الثامن_عشر ناهد_خالد
كل مر سيمر وكل حدث له نهاية سواء كان سعيدا أم تعيسا لربما نحتاج فقط للتحلي التحلي بالصبر والهدوء والتفكير الصائب فأكثر جرم نرتكبه في حق أنفسنا هو فعل لم يكن بوقته وربما لو تريثنا قليلا لم فعلناه.. جرم كفيل بهدم علاقة وقطع روابط دامات للكثير
وهذا ما قررت فعله حين صمتت ولم تجادل مرة أخرى حول شأن حبه لها من عدمه فلتنتظر حتى تطمئن على طفلها أولا وتهدأ ثانيا فهي تقسم إن حدثته الآن ستصر بكل جهدها على الطلاق بلا رجعة لذا أثرت التريث وحبذا ما فعلت.
ساعة اثنان وبالساعة الثالثة كان جرس الباب يدوي برنينه المعروف لينتفضا واقفان بعد كل هذا الصمت وركض يوسف قبلها للخارج ممنيا نفسه أن الزائر هو آدم وابنه.. وما إن فتح الباب ورآه أمامه حتى تيقن ظنه فالتقطه على الفور بين أحضانه بقلب أب متلهف شوقا لطفله وهو يهمس متسائلا
_ أنت كويس يا حبيبي حد عملك حاجه
ابتعد الصغير عن أحضان أبيه بأعين دامعة وهو يقول بنبرة مرهقة
_ أنا كويس.. بس مش عاوز اروح هناك تاني.
هز رأسه نافيا وهو يقول
_ مش هتحصل تاني اوعدك.
وفي هذه اللحظة ظهرت صفية وهي تصرخ فرحا باسمه
_ يوووونس..
افلته يوسف من أحضانه لينتقل لحضن والدته تضمه لها بلهف وشوق تقبل كل أنش به ولسانها لا يتوقف عن ترديد الحمد ابعدته بعد مدة وهي تنظر لوجه بتفحص
_ أنت كويس يا حبيبي
اومئ الصغير براحه استشعرها أخيرا بين أحضان والديه
_ أنا جعان.
أدمعت عيناها تأثرا وهي تهتف بهرولة
_ عنيا يا حبيبي كل الأكل الحلو ليك.
التمع الحماس في عينيه ليسألها بتردد
_ يعني هتعمليلي شاندوتيش نوتيلا
ابتسمت بسعادة وهي تجيبه
_ واحد بس! ده انا هعملك عشرة.. تعال.
أخذته ودلفت للداخل دون انتباه حتى لآدم الواقف بصمت يتابع فرحتهما ليشعر بالفخر من ذاته الټفت له يوسف يقول معتذرا
_ أنا أسف بس لهفتنا عليه خلتني نسيت اقولك اتفضل.
أنهى حديثه مفسحا الطريق أمامه ليبتسم الأخير باعتياديه
_ لا عادي أنا متعود على اكتر من كده خصوصا في المواقف دي.. في ناس كانت بتاخد الي ليها وتمشي من غير حتى ما تبصلي بصه.
اشار له يوسف بالمكان الذي سيجلس به ليجلس الأخير بارتياحيه بعد ساعات من العمل المتواصل كي يستطع إعادة الصغير 
_ بس تعرف خطڤ ابنك جه مصلحة هايلة لناس كتير.
قطب يوسف حاجبيه مستغربا
_ ازاي
تنهد آدم مبتسما وهو يجيبه
_ رب ضارة نافعة كل ما بيعدي أحداث علي بتأكد من صدق المقولة دي ابنك كشفلنا وقر الناس دي مش كده وبس.. ده أنقذ ٧ أطفال كانوا معاه بأعمار متفاوتة وشاب عنده تقريبا ٢٠ سنة كان شغال معاهم بالاجبار.
هز رأسه بعدم استيعاب
_ لا فهمني براحة بقى.
ابتسم بهدوء وهو يتذكر ما حدث قبل ساعات قليلة..
اتسعت عيناه دهشة وخوف حين رأى القنبلة التي قڈفها أصبحت تماما بين كم كبير من الأطفال ليشعر بالتلجم ولم يحسن التصرف لثواني كانت كفيلة لذلك الشاب للخروج من أحد الجوانب وهو ېصرخ بالأطفال أن يهرعوا لأحد الممرات التي يعلمها جيدا والتي تؤدي للخارج وما إن أدرك آدم ما يحدث حتى ركض هو ومن معه للخارج بعدما صړخ بهم أن يخلوا المكان وحين وصل الجميع للخارج دوى الانفجار ليرى آدم الأطفال بصحبة ذلك الشاب من بين الأتربة ورماد الانفجار فاتجه إليه بحرص مشهرا سلاحھ قبل أن يرفع الشاب ذراعيه وهو يصيح بارتعاش خائڤ
_ أنا مأذيتهمش كنت بساعدهم والله.
_ انزل على ركبك.
جملة صړخ بها آدم ليفعل الشاب فورا وحضر سيف ليسحب الأطفال بعيدا طالع الشاب بتفحص قبل أن يسأله
_ أنت بتشتغل معاهم
نفى برأسه ثم أومئ بتردد وقال
_ مش زي ما أنت فاهم.. أنا.. هم أجبروني بقالي معاهم كام يوم بس.. بس هم أجبروني أنا مكنتش عاوز.
صراخه تردده خوفه الواضح ارتعاش جسده نحيبه الخاڤت الذي بدأ كل هذا أكد لآدم صدقه فعلى صوته وهو ينادي
_ حاازم.
أتى حازم بعد ثواني ليكمل
_ شوف السجلات الي معاك فيهم صوره للواد ده.
_ ارفع راسك.
رددها حازم بقوة ليفعل الشاب رافعا رأسه وعيناه الخضراء التي تلونت بسحابة رمادية بنفس الوقت لتعطي لونا رائعا ترتعش نظراتها پخوف تفقده حازم ثم قال
_ لا مش موجود.. ممكن يكون انضم ليهم قريب.
عقب آدم 
_ ماهو ده الي قاله فعلا..
نظر للشاب مليا يفكر في أمره حتى تسائل أخيرا
_ اسمك ايه
بنفس النبرة المرتجفة أجاب
_ محمد.
زفر أنفاسه قائلا بحسم لقراره
_ ماشي يا محمد.. هتروح معاهم القسم يخلصوا بس الاجراءات وهتمشي على طول كده كده مفيش حاجه عليك بس قولي أنت قابلت زعيم الليلة دي
نفى برأسه وعيناه تنضح صدقا
_ لا مشفتوش ولا مرة.
اومئ برأسه بلامبالاة فيبدو أن هذا الشاب لن يفيده ليهتف ل حازم 
_ خده على العربية.
نهض يسير أمام حازم بخطى مذبذبة وجسد يرتعش وعينان مسلطتان على الأرضية عينان ظهر بهما الآن مدى الشړ الكامن بداخلهما عينان تلونتا بالخبث والدهاء يبتسمان بسخرية على حماقة رجال الشرطة الذين صدقوه بسهولة وكيف لا وهو من يتقن كل شئ.. الكذب والتصنع يتقن جيدا تقمس أي شخصية تطلبها الظروف ليخرج كالشعرة من العجين كما يقولون..
شاب لم يقل اسمه الحقيقي لم تكن نظراته حقيقية لم يكن خوفه حقيقي لم تكن حتى ارتعاشة جسده صادقة.. شاب أثبت أن آدم الصياد مجرد ضابط سابق أحمق!! وللحق إن أثبت هذا على ضابط من أكفأ الضباط في مجاله.. إذا يجب الخۏف منه.
انهى سرده لم حدث وقال
_ بس يا سيدي.. الأطفال اكتشفنا إن في منهم مغيب من شهر والحمد لله رجعوا لأهاليهم والشاب هو كمان رجع لحياته.
_ الحمد لله.
رددها يوسف براحة داخلية شاكرا الله أن الأمر انتهى هنا ليتسائل
_ كده الموضوع خلص
هز رأسه نافيا بضيق
_ للأسف لأ طول ما معرفناش مين كبير المنظمة دي... بس عموما بالنسبه لك مش هيفكروا يقربولك تاني لانهم هيبقوا مكشوفين مش هيحطوا نفسهم في موضع خطړ زي ده وبرضو معارفي هيحطوا حراسه عليك أنت وأسرتك لشهر كده من بعيد لبعيد عشان نشوف لو في رد فعل ولا لأ.
اومئ برأسه متفهما في هدوء ثم قال
_ ربنا يستر.. أنا بجد مش عارف اشكرك ازاي لولاك...
قاطعه آدم بعدما نهض مبتسما
_ مفيش داعي تشكرني.. انا شكري بيوصل بفرحتكوا برجوع ابنكوا.
طالعه يوسف بامتنان
_ بجد ربنا يكتر من أمثالك.
تحرك للخارج وهو يردد بمرح
_الخير في أمتي ليوم الدين يا عم يوسف بعدين أنا معملتش حاجه لكل ده الموضوع بسيط ربنا يباركلك فيه.
انهى حديثه حين وصل للباب ليقول يوسف بجدية
_ مستعجل ليه طيب استنى نتغدى سوا ومش عزومة مراكبية والله.
الټفت مبتسما باقتضاب
_ تسلم واجبك وصل.. السلام عليكم.
_ وعليكم السلام ورحمة الله.
رددها بتوديع قبل أن يغلق الباب ويتجه لمحل تواجد أسرته الصغيرة ألا وهو المطبخ وقف على بابه يتابع تناول الصغير لطعامه بشراهة ليتنهد بحزن على ما عاشه بسببه تلك الأيام الماضية التي بالطبع لم تخلو من الجوع والخۏف و البكاء وكان هو عاجزا عن إنقاذه باكرا.
انتبهت لوجوده وشروده الذي ظهر عليه بنظرته الحزينة التي تحفظها جيدا أعلمتها بما يفكر لتحاول إقصاءه عن تحميل ذاته الذنب أكثر فقالت بمرح
_ تعالى يا بابي الحقلك معلقة نوتيلا لاحسن يونس هيخلصها كلها.
اقترب منهما ضاحكا بخفوت ليلتقط برطمان النوتيلا وهو يبعده عن يد طفله مغمغما بضيق زائف
_ كده يا صفية! بتسبيله البرطمان يخلصه أنت عارفه إني بحبه.
قطب الصغير حاجبيه
_ يا بابي النوتيلا للصغيرين.. أنت صغير يعني
رفع حاجبيه له بدهشة وهو يردد
_ صغير! هي للصغيرين بس! مين ضحك عليك وقالك كده! وبعدين اه أنا صغير.
ردد الأخيرة بسماجة ليزفر يونس بضيق قاطبا حاجبيه معلنا غضبه الطفولي وفي خضم شجارهما الطفولي كانت صفية تلتقط ملعقة مملوءة من مسحوق الشيكولاته الرائع لينظرا لها هاتفان في صوت واحد
_ مامي...!!
_صفية..!!
أخرجت الملعقة من فمها وهي تضحك عليهما
_ في ايه سرعتوني! عادي يعني يا يونس جو هيجبلنا غيره.
رفع يوسف حاجبه بسخرية رغم سعادته الداخلية لاستعادة هذا الجو بينه وبين عائلته الصغيرة الذي لم يعيشه منذ أشهر.. هذا الدفء والأصوات التي تتعالى ليعم الضجيج في أجواء الشقة تلك الشقة التي كانت كالقپر في سكونه المريب منذ غيابهما عنه الآن فقط دبت الروح في هذه الشقة من جديد.
_________________
بخطى ثابتة وجسد شامخ ونظرات واثقة لا تمت أبدا لعمر حاملها كان يسير بتروي وهو يضع لفافة من التبغ البني الفاخر في جانب فمه فقط وعيناه تطوف حوله بتقييم أثار الذعر في من يقفون باستواء وكأنهم في محكمة ما أو يؤدون أحد صلواتهم بخشوع! 
انتهى الممر ليقف أمام الباب المعني فاتحا إياه بهمجية بحتة نبأت من بالداخل بهويته فمن سيدلف بهذه الطريقة غيره!
_ welcome بالفاشل.
قست ملامحه وهو يجلس بارتياح شديد على أحد المقاعد ومدد قدميه بمنتهى قلة الذوق فوق الطاولة الصغيرة بينما أزال بإصبعيه اللفافة قائلا بصوت رخيم
_ الفاشل ده لولاه كان زمانك مش عارف تقعد في البلد لحظة لولاه كان زمان مصر كلها عرفت هويتك.
رفع الأخير حاجبه المجعد يبدو أنه أثر لحړق ما لم تنجح عمليات التجميل في معالجته وهو يقول
_ مش من حبك فيا يا حليتها.. أنت بس عشان خاېف على السنيورة.
حدقه بجانب عيناه وهو يضغط أسنانه بقسۏة بينما ردد بجدية بحتة مخيفة
_ قولتلك قبل كده سيرتها متجيش في كلام بينا.
ضحكه ساخرة خرجت من فاهه وهو يقول
_ خلاص متتحمقش مش هجيب سيرتها قولي خرجت منها ازاي سابوك عادي كده من غير تحريات
التقط نفس عميق من لفافته وزفره بتروي وهو يقول
بهدوء ثلجي
_ ما يدوروا! أنا تحرياتي نضيفة ولا نسيت إني مبسبش ورايا هفوة.
رفع الأول حاجبه بتمعن وهو يقول باعجاب لم يخفيه
_ شوف رغم إنك يدوب مكملتش ٢١ سنه بس مخك ذري وهيبقى ليك مستقبل باهر.
نهض بغتة وهو يقول
_ ميهمنيش ابهرك حقي فين
_ وصل قبل ما توصل أنت هنا الفلوس اتحولت على البنك.
اطفأ اللفافة في أحد الطفائات قبل أن يومئ بإيجاب متجها للخارج لكنه توقف على صوت الأول الذي صدح في تساؤل
_ الا قولي صحيح هي لسه معرفتش حقيقتك يعني لو بتخطط تتجوزها أنت عارف إن في دينهم مينفعش يا...
قاطعه على الفور ملتفا بأعين محتقنة