رواية لولا التتيم(الفصل الثاني عشر إلى الأخير) بقلم ناهد خالد


يلقاها!
وبعد فترة كان قد وصل للمبنى السكني الذي تقطن فيه شقتهم وحين وصل للدور الموجودة به الشقة وجد رفيقه نادر يقف على ناصية الدرج أمام شقته المفتوح بابها وقف أمامه وهو يسأله بأنفاس متهدجة
_ هي فين
أجابه نادر بهدوء
_ جوه الدكتور لسه ماشي بيقول حمى شديدة ولو لقدر الله كانت اتأخر علاجها عن كده مكناش هنلحقها.
أغمض عيناه يتنفس بقوة لوهلة قبل أن يفتحهما وهو يسأله ثانية
_ هي فين
تلجلج الأخير في الحديث وهو يقول مشيرا لشقته
_ ااه.. هي.. هي جوه بس يعني..
قطع حديثه تحرك عاصم للداخل على الفور وبداخله يريد الاطمئنان عليها ولن يحدث هذا إلا حينما يراها أمامه ولكنه توقف محله وبهتت ملامحه حين أبصرها بذلك الوضع الذي خرجت به من شقتها كانت مازالت نائمة بوجه اشتد احمراره وقطرات العرق تلمع على جبينها فلم تعي للوضع الذي هي به أو للواقف أمامها تتآكله نيران الغيرة وعقله يفكر هل رآها صديقه بهذا المظهر هل أباحت له رؤية مفاتنها بهذا الشكل وماذا إن كان من بالشقة رجلا آخر غريب بالطبع لحدث ما لم يحمدوا عقباه..
ولأن نارد خير من يعلم بتفكيره كان يهتف من خلفه وهو يحافظ على ألا يلقي لو نظرة واحده تجاه الماكثة فوق فراشه وليكن أشد حرصا وقف بجوار باب الغرفة بحيث لا يسمح له المكان برؤية ما بداخلها وقال
_ عاصم ياريت تهدى وتفكر في الوضع أنت لو كنت شوفتها وهي بتخبط على الباب كنت هتعرف أنها مش مدركة لأي حاجة بتحصل حواليها أصلا من كتر التعب الي كانت فيه كانت محتاجه أي حد ينقذها.
نظر له بجانب عيناه بملامح واجمة
_ وكويس إنك كنت أنت الحد ده.
جملة غامضة لم يفهمها نادر جيدا لكنه قال
_ الحمد لله وكويس إننا لحقناها.
وأتاه الرد أشد غموضا
_ إنك.. كويس إنك لحقتها.
فاض الكيل به ليهتف بضيق
_ هو في ايه يا عاصم ليه حاسك بتتريق أو لهجتك فيها حاجة مش مفهومة!
هز رأسه بلامبالاة
_ أكيد مبتريقش شكرا يا نادر.
أنهى حديثه واتجه للداخل جاذبا الغطاء فوقها بإحكام بجسد متشدد وأعصاب بالكاد تتماسك ورفعها بخفة بين يديه خارجا بها من شقة صديقة دالفا بها لشقته التي مازال بابها مفتوحا..
___________
أعصابها على المحك ودقيقة أخرى إن لم ينطق خلالها ستنهار حتما لذا هتفت بعصبية وهي تجذبه من ذراعه لينظر لها
_ ما ترد علي يا يوسف في ايه ابني جراله حاجة
ابتلع ريقه الجاف وهو يجيبها أخيرا
_ يونس.. اتخطف.
سقط قلبها بقدميها لتصرخ فزعه باسم وحيدها متراجعة للخلف بخطى بطيئة حتى سقطت فوق الفراش كمن شلت قدماه فجأة استرعى الأمر وقتا ربما وصل لخمس دقائق..
الصمت سائد رغم شهقات صفية المتعالية وصمت يوسف الخارجي كان مخالفا لثورانه الداخلي والمتاهة التي يدور فيها قلبه يتآكل خوفا على طفله الوحيد وبنفس الوقت عاجز ويداه مكبلتان عن التصرف.
وبعد هذا الصمت كان تهدأ من ذاتها وهي تسأله بضعف
_ ليه مين له مصلحة هم الي كلموك دلوقتي
أومئ بتعب غير قادرا على الحديث حتى هزت رأسها بلهفة وهي تسأله
_ طلبوا فدية يعني عاوزين فلوس اديهم الي عاوزينه يا يوسف المهم ابننا يرجع.
هز رأسه بأسف وهو يقول پقهر
_ ياريت الي طالبينه فلوس.
سألته پبكاء أشد
اومال ايه عاوزين ايه من ابني
هز رأسه بعجز مرددا وهو يعطيها ظهره
_ مش من ابنك يا صفية.. مني أنا.
نهضت بالكاد لتصل إليه كي تقف أمامه مباشرة بينما عيناه تتهرب منها لكنها أصرت على المواجهه وهي تسأله
_ عاوزين منك ايه
شردت عيناه للحظه قبل أن ينظر لها وهو يردد بقلة حيلة
_ عاوزني اشترك في چريمة بقالهم شهور بيحاولوا معايا بكل الطرق وبرفض.. عاوزني ابقى الممول لشغلهم يا صفية.
زاغت عيناها تسأله
_ شغلهم الي هو ايه
نظر لعيناها مباشرة يجيب
_ تجارة أعضاء.
شهقة عڼيفة خرجت منها كادت تزهق روحها قبل أن ترتد للخلف پصدمة وأعين جاحظة!!
_______________
استطاع بصعوبة شديدة فتح جزء صغير من سقف المصعد ليدخل لهم بعض الهواء لكن الهواء وحده لا يكفي لذا بدأ يحاول عمل جلبة بشتى الطرق لجذب الانتباه تجاه المصعد وبعد ربع ساعة تقريبا أتاه الڤرج حين شعر بأحد يقترب من المصعد ليهتف بصوت عال
_ حد سامعني حد يشغل الاسانسير ده.
وقفت لليان بتعب تستند على جسد زوجها بانتظار من هتف من خلف باب المصعد
_ شغلوا الكهربا.
وبالفعل بعد دقيقة تقريبا كانت الكهرباء قد عادت وضغط الأول على زر المصعد لينفتح بابه فهالهم ما رأوه.. أشبه بقتال شوارع عڼيف! أو كمجزرة في أحد الأحياء الشعبية! إناس تساقطت أجسادهم أرضا وأخرين ما زالوا تحت وطأة القتال لتهتف لليان بفزع
_ اقفل الباب تاني.
وردد بدر باندهاش
_ ايه الي بيحصل ده
هتف ذلك الرجل المنمق في ثيابه وأسلوبه الواقف أمامهما بكل ثبات وكأن ما يحدث خلفه لا يشغل له بالا
_ أظن لو اتحركتوا افيدلكم!
انتبه بدر لحديثه فقال
_ ينفع ننزل بالاسانسير
ابتسم بهدوء تام مجيبا
_ لا انتوا هتشرفونا شوية لحد الحوار ده ما يخلص على الاقل عشان اضمنلكوا السلامة.
وانهى حديثه متحركا من أمامهما ليهتف بدر عاليا
_ ايه الي يخليني أثق فيك
التف له نصف التفاته قائلا
_ متثقش.
_ بدر!
هتفت بها لليان بقلق ليجيبها
_ لازم نتحرك مفيش حل تاني.
وبالفعل أتبعاه دون أدنى علم بالآتي!!
توقف أمام باب أحد الغرف وفتحها مشيرا لهم بالدلوف وما إن فعلوا حتى كاد يغلق الباب ليوقفه بدر متسائلا
_ هو أنت ضابط
فهيئته وطريقته غير السلاح الذي يحمله أوحت له بهذا ليبتسم الأخير وهو يقول
_ كنت.
وأغلق الباب ملتفا للمعركة الدائرة خلفه ليتجه بخطوات واثقة للإنخراط بها.. وحل الأمر.
_______________
_ اشمعنا أنت
رددتها بتيه وعيناه تزرف المزيد من الدموع حين شعرت بأن هناك حائط أسود وضع فجأة أمام عينيها ابتسم ساخرا يجيب
_ عشان أنا جراح عام وأكتر جراح بيعمل عمليات في المستشفى يعتبر يعني هفيدهم.. هنوعلهم فهمتي
شعرت بالاشمئزاز من مجرد تخيل الأمر وظلت صامته لثواني قبل أن تنظر له ببهوت وهي تقول
_ يعني ايه يعني ابننا ضاع ده وقع في ايد ناس مش هترحمه ولا هترحمنا لو منفذتش الي هم عاوزينه هي...
صمتت مڼهاره في البكاء ولم تستطع الإكمال ليقترب منها محيطا ذراعيها بكفيه وهو يقول بدموع عرفت طريقها لعيناه
_ أوعدك يا صفية إني مش هسمح إن ابني يتأذي هعمل اي حاجة عشان يرجعلنا.
توقف عن البكاء تنظر له بنظرات غامضة قبل أن يتلون وجهها بالڠضب وهي تمسك بياقة قميصه بقوة جاذبة إياه تجاهها!!!
________________
ونفس القبضه باختلاف الأشخاص كانت تحدث الآن في مكان آخر حين قبض كفه على خصلاتها بقوة حتى كاد يقتلعها وعيناه تضئ بشرارات الڠضب التي بدت ستحرقها.. وهي فقط مصډومة من رد فعله فلم تتوقع أن يرفع يده عليها يوما!!
لولا_التتيم الفصل_الرابع_عشر ناهد_خالد
نظر لها مدهوشا من قبضتها على ياقة قميصه بهذا الشكل لكنه خمن أن قصيدة من اللوم ستلقى الآن تتهم إياه بأنه السبب الرئيسي في فقدان ابنهما وأن يفعل أي شيء كي يعيده لها سالما.. وللحقيقة سيكون معها كامل الحق ولن يفتح فاهه بحرف واحد مهما قالت.. ولكن سمعها تتحدث بصوت يحمل كل معالم الجدية وهي تسأله
يعني ايه هتعمل أي حاجة عشان يرجعلنا هتعمل ايه يعني
رد بإرهاق واضح
أي حاجة وخلاص مش عارف لسه هعمل ايه.
سألته بحذر
يعني لو ملقتش حل غير إنك تنفذ الي عوزينه هتعمل كده
نظر لها بصمت لثواني كأنه يحاول فهم ما وراء السؤال لكنه فشل فتنهد بقوة مجيبا بمراوغه
أنت شايفه ايه
اتسعت عيناها بدهشة وكأنها تراه برأسين للتو! قبل أن تجذبه من ياقته أكثر وهي تهتف به بقوة محذره
مش هنجي ابني على حساب حياة الناس يا يوسف سامع مش هننقذ ابننا بدم ناس تانية أنت أصلا ازاي فكرت في كده! وبتسألني كمان يونس أملي الوحيد في الدنيا بس...
تركت ياقته الممسكة بها بضعف لتناظره بأعين شبه ناعسه من شدة ضعفها وألمها النفسي وقالت بنبرة خاڤتة
ربنا مش هيباركلنا فيه لو ارتكبنا چريمة بشعة زي دي عشان ننقذه.. لو ربنا كاتب لينا انه يرجعلنا بالسلامة وميوجعش قلبي عليه هيرجع من غير ما يبقى فيه كبش فدا ومن غير ما نخسر ضميرنا ونفسنا.
في البداية لم يكن سؤاله سؤال بالمعنى الحرفي بل كان كاستدراج لها ليفهم كيف تفكر وإلام سيهديها عقلها ولكن بداخله لم يفكر قط في أن يخضع لرغابتهم كي يحمي طفله كيف سيفعل هذا وهو قد أقسم أن يصون مهنته وأن يعمل مخلصا ويحافظ قدر استطاعته على أرواح الناس كيف سيفعل هذا وهو إنسان .. لديه ضمير سيردعه وسيقتله في اليوم مئة مرة إن فعلها.. وللحقيقة لم يتوقع حديثها هذا بل أنه توقع العكس تماما بدافع أمومتها ومشاعرها التي ستخشى على طفلها فقط دون حساب لأي شيء آخر! ولكنها أبهرته بتفكيرها وحديثها ليجد نفسه يجذبها لأحضانه بكل رفق العالم ويحيطها بذراعيه بكل معنى للاحتواء عرفناه يوما وكأنه يطيب قلبها بهذا العناق ويهدأ روع روحها بضمته وعنه فقد شعر بشعور يماثل سقوط مياه باردة على جسد محموم رغم رعشته إلا أن الأمر ممتعا ورعشته هنا أتت من مشاعره التي ثارت ترحب بأول شعور بها بين أحضانه بعد أشهر غياب ورغم أنه ليس وقت مناسب لشعور هكذا ولكن منذ متى والمشاعر تخضع للتوقيت!
وعنها حين جذبها لأحضانه فكرت لوهلة بالامتناع والابتعاد وكان هذا قبل أن يطوقها بذراعيه ويشعرها بكل هذا الاحتواء الذي فقدته كم كان عناقه رائعا حتى أنها لم تقوى على الابتعاد ولم تفكر فيه ثانية فقط أغمضت عيناها وأراحت رأسها على أسفل كتفه وتركت لذاتها الشعور به وبقربه.
مرت دقائق لم تحسب من كلاهما وكأنهما قصدا توقيف الوقت الآن حتى يجددان مشاعرهما المرهقة كي يستطيعا مواجهة ما هو قادم.. حتى هتف هو أولا وكفه ارتفع ليمسد على حجابها بحنو ويهمس بجوار أذنها
خليك واثقة إن ربنا مش هيضرنا فيه لأن ربنا رحيم بعباده ومش هيوجعنا كده وإن شاء الله هيهديني للحل المناسب للورطة دي.
فتحت عيناها تستجمع ذاتها قبل أن تبتعد عنه ببطء حتى أصبحت تواجهه وقالت
أنا عندي حل ممكن يفيدك.
وللمرة الثانية خالفت توقعاته فقد ظن أنها بمجرد ابتعادها ستنفجر به مبدية اعتراضها على ما فعله وأنه قام باحتضانها لكنها فاجأته حين بدت بكل هذا الهدوء وهي تتحدث بشيء آخر تماما أخذ نفسا عميقا شاعرا بأنه على وشك الشعور بمعنى رب ضارة نافعة!!
ايه هو
قالت مقترحة
عندي واحده صاحبتي جوزها كان مقدم في المخابرات بس استقال ودلوقتي عنده شركه أمن تقريبا.. اعتقد هيفيدك.
عقد حاجبيه مستغربا
صاحبتك أنا أول مرة
أعرف إن ليك صاحبة!
عقبت بحذر
اتعرفت عليها مؤخرا ها قولت ايه
هتفت بالأخيرة لتبعده عن أي أسئلة أخرى تخص صديقتها