مهرة المنصور بقلم هالة القمر


رفاعي، وبيرجع يبص لمنصور بنظرة حاسمة
مش كفاية يا ولدي. أنا عايز رباط يربطها بيك.. 
رابط قدام ربنا، يخليها في حمايتك شرعاً، لا حد يقدر يطمع فيها ولا حد يقدر يفتح بقه. 
المأذون هيجي النهاردة.. النهاردة يا منصور.
صمت رهيب ساد المكتب. منصور اتجمدت ملامحه، وضربات قلبه بدأت تتسارع، نظر لعمه برهبة.
منصور بصوت مبحوح
المأذون؟ 
يا عمي.. مهرة لسه ما تعرفش، ولو عرفت دلوقتي هتقلب الدنيا فوق دماغي. 
دي بتشوفني السجان بتاعها، ولو عرفت إننا اتجوزنا، ممكن تطلب الطلاق قبل ما الشمس تطلع!
الحج محمود بصوت هادي وحازم
ماحدش هيعرف.
العقد هيكون أمانة في رقبتك، والخبر ده يفضل في بير غويط، لحد ما الخطړ اللي بيهددنا يروح،
أو.. لحد ما قلبها يميل لك وتعرف هي قيمتك.
منصور بص في الأرض، وعقله بيصارع ڼار غيرته عليها وڼار حبه المكتوم
يعني أتجوزها وهي بتشوفني عدوها؟
وأقعد قدامها كل يوم كأني ابن عمها، وأنا جوزها اللي پيتحرق من نظرة منها؟
ده ظلم ليا وليها يا عمي.
الحج محمود بيحط إيده على إيد منصور، وبنظرة كلها رجاء
ده مش ظلم.. ده ستر. 
أنا عايزك تكون سندها، وعايزني أموت وأنا مطمن إن مهرة في كنف راجل يشيلها في عيونه.. 
راجل بيحبها خوف العاشق، مش خوف الحارس. 
وافق يا منصور.. وافق عشان تضمن إنها تفضل محمية، وتفضل.. ليك.
منصور رفع عينه، الصراع كان باين في عينيه، نظرة عاشق مكسور الكبرياء، بيبص لمكتبه اللي بيخبي فيه أسرار خاېف يواجها.
منصور بصوت جهوري وقرار لا رجعة فيه
اللي فيه مصلحتها.. واللي فيه حمايتها.. أنا هعمله.
بس اسمعوا مني، اليوم اللي هي تعرف فيه، أنا اللي هصارحها.. بطريقتي.
منصور قام وقف، وكان بيمشي ناحية الباب، وقف ثانية وبص وراه
أنا هجيب المأذون.. بس يا عالم يا عمي، مين فينا اللي هيطلع سجين للتاني.. 
أنا اللي شايل السر، ولا هي اللي هتتصدم لما تعرف إنها بقت مراتي وهي مش حاسة؟
منصور وافق وتم العقد في صمت بمباركة عمه ووالده، والسر ادفن في المكتب...
منصور خرج من المكتب، ايده في جيب جلبابه، بېلمس ورقة العقد اللى مخبيها كأنها كنز ثمين. 
شاف مهرة واقفة في الصالةبتضحك بصوت عالٍ وهي تكلم واحدة من قرايبها في التليفون، ومتعرفش أن حياتها تغيرت ...
منصور اتسمر في مكانه، نظراته ثقيلة ومحملة بمسؤولية جبارة 
ييكلم نفسه بصوت خاڤت 
بقينا واحد يا مهرة.. قدام الله، وقدام الدنيا اللي بتغدر بينا.. 
بس إزاي أقولك، وأنا خاېف تضيعي مني قبل ما تتقبليني؟
مهرة بتلتفت فجأة، لاحظت نظراته الغريبة اللي اختلفت عن نظراته اللى متعوده عليها ، اتوقف عن الضحك وسألته بتحدٍ 
في إيه يا منصور؟ بتبص لي كدة ليه؟
أكلتني بعينك! هو أنا عملت مصېبة وأنا مش واخدة بالي؟
منصور قترب منها ببطء، خطوته واثقة لكن عينيه بتفيض بضعف خفي، وقف قدامها ، صوته رخيم ومبحوح
ببص للي باقي لي من الدنيا يا مهرة.. ببص للوحيدة اللي لو ضاعت، ضعت معاها.
مهرة اتراجعت خطوة، ارتبكت من نبرته، حاولت تستجمع قوتها 
أنت كلامك بقى غريب، وروحك الأيام دي تقيلة.. أنا كنت بضحك، ده حرام؟
منصور بابتسامة باردة ومستفزة، ليغطي على مشاعره
الضحك مش حرام..
بس مش كل حاجة بتستاهل الضحك.
ادخلي جوه، الشمس بدأت ټحرق، وأنا مش عايز حد يلمحك من الشباك.
في ركن فخم من قصر العيلة، الكل متجمع على القهوة بعد الفطار. منصور قاعد بوقاره المعهود، ماسك الجرنال، وعينه بتخترق مهره من فوق النضارة وهي بتراجع صور على موبايلها ومستعدة للخروج بملابس مودرن زيادة عن اللزوم بالنسبة لقواعد القصر.
منصور وهو بيقفل الجرنال ببطء مستفز العربية الكابورليه دي للفسحة في جنينة البيت يا بنت عمي.. روايات هالة القمر مش لشوارع مصر اللي مابترحمش. وزي ما لبسك ده أنا اللي شايفه في البيت، مش عايز حد بره يشاركنى في النظرة دي.. مفهوم؟
مهره رفعت حاجبها وبتستفزه ليه يا منصور؟ الجو ربيعي ويجنن، وأنا حابة أخرج بالعربية المكشوفة مع صحباتي.. وبعدين إيه المناسبة؟
منصور طبق الجرنال ببطء، وبنظرة حادة زي السيف 
المناسبة إنك في بيت منصور الرفاعى.. واللبس اللي أنتي لابساه ده، مع عربية مكشوفة، مع زحمة القاهرة.. معادلة نتيجتها مش هتعجبني. وأنا قولي ما بكررهوش مرتين.
مهره بعناد أنا حرة يا منصور!
منصور بيقرب منها وبيهمس بنبرة رخيمة 
الحرية دي كلمة بنضحك بيها على نفسنا..
إنتي حرة في قلبي، لكن في اسمي وعرضي.. 
إنتي ملكي. والملك مابينعرضش للفرجة.
مهره حاولت تداري نرفزتها، وقربت منه بتحدي
أنا مش فاهمة أنت بتعمل كدة بصفتك إيه؟ ابن عمي؟ ولا وكيل أعمالي؟ ولا يمكن فاكر نفسك ولي أمري؟ بابا موجود ومحدش اتكلم!
منصور سند ظهره، وبكل برود وثبات أنا بعمل كدة بصفتي الراجل اللي شايل اسم العيلة دي. وأبوكي وأمك عارفين إني بخاف عليكي من الهوا الطاير.. أما صفتي التانية، فدي لسه بدري عليكي قوي عشان تفهميها.
مهره بضحكة صفرا 
خوف؟ ولا سيطرة؟ أنت بس بيعجبك تشوف الكل بيمشي على إشارتك. 
أنت إنسان معقد يا منصور، ومستحيل بنت بتفكر زيي تطيق الأسلوب ده.
منصور عينه لمعت بلمعة غريبة، بيقوم يقف بهدوء فظيع، وميل عليها يهمس بصوت رخيم 
مش طايقاه؟ ماشي.. بس وأنتي خارجة ومش طايقاني كدة، ابقي اسألي نفسك 
ليه كل ما عينك تقع في عين راجل بره، بتدوري على هيبتي في ملامحه ومالاقيهاش؟!
وليه رغم لسانك الطويل ده، مابتعرفيش تكسري عيني؟
مهره بلعت ريقها وارتبكت 
أنت مغرور.. ومغرور جداً كمان.
منصور بابتسامة خفيفة مابتوصلش لعينيه
أنا واثق.. والواثق بيمشي كالملك، وأنتي ملكي بحكم الډم والأصول.. روايات هالة القمر لحد ما يجي اليوم اللي تعترفي فيه إنك ملكي بحكم حاجة تانية أنتي لسه بتكابري فيها. العربية المقفولة مستنياكي.. اتفضلي.
بالليل أنوار القصر كلها مطفية، ماعدا أباجورة واحدة بعيدة مأثرة بضوء خاڤت على كنبة في ركن الصالة.. 
مهره داخلة بالراحة، قالعة جزمتها في إيدها عشان ما تعملش صوت، وشعرها منكوش شوية من الهوا، وقلبها بيدق.. مش خوف، ده أدرينالين التمرد.
مهره بتهمس لنفسها 
يا رب يكونوا ناموا.. مش ناقصة محاضرات من حد دلوقتي.
أول ما وصلت لأول درجة في السلم، صوت ولاعة كسر هدوء المكان. تك.. شرارة ڼار صغيرة نورت وش منصور.
منصور قاعد، ساند ضهره، ورجل فوق رجل، لابس قميصه الأسود وفاتح أول زرارين، وعينه ثابتة عليها.. نظرة خالية من أي انفعال، لدرجة إنها مرعبة.
مهره اتخضت بس حاولت تبان قوية 
خضتني يا منصور! قاعد في الضلمة كدة ليه؟ زي ما تكون بتصطاد حد.
منصور مردش. فضل باصص لها ببرود، بيتابع حركتها المرتبكة وهي بتعدل شنطتها على كتفها.
مهره صوتها علي سنة عشان تكسر الصمت
على فكرة أنا مش صغيرة عشان استخبى، الطريق كان زحمة، وصحابي صمموا نتعشى.. يعني مش محتاجة استجواب.
منصور لسه ساكت. طلع نفس سېجار طويل، والدخان غطى ملامحه للحظة، وعينه لسه مانزلتش من عليها. 
الصمت بدأ يخنق مهره، كان نفسها يزعق، يثور، يقول أي حاجة ترد عليها.
مهره بنرفزة ما تتكلم يا منصور! زعق.. قول لسانك طويل، قول إيه اللي أخرك.. السكوت ده معناه إيه؟
منصور قام وقف ببطء شديد.. طوله
الفارع وهيبته خلت مهره ترجع خطوة لورا ڠصب عنها. 
قرب منها لحد ما بقى بينهم خطوة واحدة، ريحة السېجار مع البرفان بتاعه حاصرها.
منصور بصوت واطي جداً ورخيم، فيه نبرة ۏجع مستخبي خلصتي؟
قرب منها، خطوته تقيلة