وصية صفية بقلم منال الجزء الخامس


طريق العودة من دمياط إلى القاهرة كان يجلس في المقعد الأمامي إلى جوار إبنه الذي كان يقود السيارة ...بينما نامت إبنته في المقعد الخلفي للسيارة...حانت منه إلتفاتة للخلف ليلقي عليها نظرة متأملة ثم يبتسم بتلقائية ...يفكر بينه وبين نفسه ...هل يكون الزواج أو على الأصح الخطبة طريقا للخروج من أحزان فقد والدتها الراحلة ...أم أن الوقت غير ملائم للحديث في مثل هذه الأمور ...قرر أن يأخذ برأي ولده لعله يجد فيه إجابة شافية... الټفت إليه وقص على مسامعه ماكان من أمر خطبة ادهم لشقيقته وكيف أجابه طالبا مهلة لإقناعها ... ابتسم بدهشة ثم قال بضيق ليه حضرتك قولته لأبس يا بابا ?
أجابه متعجبا إزاي بس عايزني اوافق على حاجة زي دي وأختك فالظروف اللي هيا فيها دي
إبراهيم بجدية يابابا اعتقد ان دي كانت فرصة كويسة عشان تنسى وتخرج من الحالة اللي هيا فيها دي...بيتهيألي كفاية اوي ست شهور وهيا حزينة بالشكل ده
بدا عليه الإقتناع وهو يجيبه قائلا معاك حق يا ابني ... عموما انا طلبت مهلة امهدلها فيها واعرف رأيها فموضوع الجواز...بس برضه بيني وبينك انا مستكتر الأربع سنين خطوبة ...كتير اوي يا ابني برضه
تنحنح إبراهيم قائلا بخفوت هو الكلام ده ينطبق عليا أنا كمان برضه ?
عقد جبينه دهشة قبل ان يقول يعني إيه مش فاهم ? انت ناوي تخطب اربع سنين انت كمان ?
إبراهيم بتلعثم اصل بصراحة كده يا بابا انا بيتهيألي إني لقيت العروسة اللي بدور عليها ... بس المشكلة ان هيا كمان ادامها اربع سنين على ماتتخرج
ضړب كفيه ببعضهما وقال بدهشة يا ابني انت بتهزر ? انت عايزني استنى اربع سنين على ما اجوزك... هو ده مش كان واحد من أسباب رجوعنا لمصر انك تتجوز
إبراهيم بجدية يابابا يا حبيبي...ما انا لسه ادامي وقت برضه على مانستلم الشركة ونجهزها ونبتدي الشغل ونعمل لنفسنا اسم فالسوق و اقدر اثبت نفسي...مش كل ده محتاج وقت... وبعدين احنا ممكن نتفاوض مع عمي صفوت عشان يخفض لنا المدة شوية يعني
سعيد بدهشة ليه يا ابني ? هو انت حاطط عينك على مين بالظبط ?
إبراهيم بإرتباك لمياء يا بابا ...بنت أخو عمي صفوت وأخت الباشمهندس علي .
سعيد وأنا اللي كنت باقول على ادهم متسرع ... طلع ابني اكتر منه
إبراهيم بجدية يابابا أنا راجل عملي مابحبش أضيع وقت... أنا كنت بدور على عروسة ...شوفت واحدة عجبتني...اتكلمت معاها لما كانت قاعدة مع سوزان بره فالجنينة... وعجبتني اوي طريقة تفكيرها...تحس انها إنسانة ناضجة وعاقلة جدا بالرغم من صغرسنها ... أهلهاحضرتك عارفهم كويس وواثق فيهم ...يبقى فين المشكلة بقى إني اتجوزها
سعيد بقلة حيلة والله يا ابني ما انا عارف أقولك إيه بس?
إبراهيم بإبتسامة تقولي مبروك يا إبراهيم ...وتتكلم مع سوزان وتحاول تقنعها بالموضوع او تسيبني انا اكلمها لو حضرتك ماعندكش مانع ...وبعدين لو وافقت تبلغ عمي صفوت بموافقتها وتطلب منه إيد لميا بنت أخوه... ونعمل خطوبتنا احنا الأتنين فنفس اليوم ...إيه رأيك بقى فالفكرة دي ?
سعيد يعني انت شايف كده
إبراهيم حضرتك ليك رأي تاني
تنهد سعيد قائلا نشوف الأول أختك حتقول إيه وبعدين يحلها ربنا
في الصباح وبعد مغادرة سامح متجها إلى عمله وصوت طرقات على باب شقة نادية تنبأ بقدوم زائر جديد أو زائرة بالمعنى الأدق... فتحت نادية الباب بسرعةوكأنها كانت تنتظر قدومها على أحر من الجمر... رحبت بها واحتضنتها بحرارة ..فهي الصديقة الوحيدة التي حصلت عليها نادية طوال سنوات عمرها ... جلست رشا على أحد الأرائك وهي تسأل نادية عن أحوالها وأحوال سامح صديق الدراسة المشترك لكلتيهما... بعد قليل كانت نادية تسألها وبلهفة قائلة ها جبتي اللي قولتلك عليه إمبارح فالتليفون ولا لأ?
امتدت يدها إلى حقيبتها وفتحتها لتعطي نادية ماطلبت منها إحضاره ثم قال معاتبة شوفي أنا جبتلك اللي طلبتيه مع إني مش موافقة على اللي انتي عايزة تعمليه ده يا نادية
اخذته منها نادية وإبتسامة نصر تعلو شفتيها وهي تقول بغل لما نشوف كلام مين اللي حيمشي يا سي سامح
رشا متعجبة بس لو تفهميني انتي ليه عايزة تجهضي نفسك... مش سامح ده اللي كنتي بتتمني نظرة منه بقى مغضوب عليه دلوقتي ? وبعدين اللي حتعمليه ده حرام يا نادية
اشاحت بيدها قائلة بإعتراض انتي حتعمليلي فيها ستنا الشيخة... هو انتي فاكرة إني ماكنتش أقدر أجيبه يعني ? كل الحكاية إني قلت ان بنت خالتك دكتورة صيدلانية يعني حتكون عارفة الأنواع الكويسة اللي بتجيب نتيجة سريعة
رشا .سماح قالتلي ان النوع ده كويس اوي ومفعوله سريع... حتاخدي حباية وتستني تلت ايام...لو ماجابش نتيجة تاخدي واحدة تانية بعد التلت ايام ..بس عشان أكون خلصت ضميري...سماح قالتلي ان الحبوب دي لو ماعملتش إجهاض ...حتعمل تشوهات جامدة اوي للجنين يكون فعلمك
نادية بضيق يا شيخة فال الله ولا فالك
رمقتها رشا بتعجب وقالت بحيرة أمرك غريب يا نادية... منين خاېفة عليه يتشوه ومنين عايزة تنزليه ?
نادية موضحة لا يا حبيبتي أنا مش بتكلم عن التشوهات...انا بتكلم عن إنه ماينزلش ...وعموما يا ستي أنا متشكرة اوي ونخدمك فالأفراح ان شاءالله ...ثم نظرت إلى الفراغ أمامها وقالت بتحدي ابقى وريني بقى حتعمل إيه يا ابن نجيب الحسيني
في نفس اليوم الذي كانت نورا تستعد للرحيل بصحبة علي ومغادرة الفندق عائدين إلى القاهرة كانت نادية متواجدة بالمشفى الذي نقلها سامح إليه بعد إصابتها بڼزيف حاد لتفقد على إثره جنينها ... بدا الأمر طبيعيا بالنسبة لكل من صفوت ونجيب اللذين حضرا إلى المشفي للإطمئنان على نادية ... إلا أن واحدا فقط كانت تساوره الشكوك في أن يكون ماحدث من تدبيرها...وحتى يقطع الشك باليقين خرج مسرعا من المشفى وركب سيارته منطلقا بها نحو منزله وما إن ډخله حتى دلف إلى حجرة نومها وأخذ يعبث بمحتوياتها لعله يجد بالفعل ما يؤكد شكوكه ...لم يستغرق بحثه وقتا طويلا فقد وجده بالفعل موجودا داخل خزانة ملابسها مدفونا بين قطع الملابس ... وضعه في جيبه وانطلق عائدا إلى المشفى ليعرضه على الطبيب الذي تفحصه ثم نظر إلى سامح قائلا بجدية ده نوع من الحبوب بيتصرف فحالة الرغبة في إجهاض الجنين خلال اول ست أسابيع من الحمل ...وكما توقع تماما ... فعلتها نادية إذا 
خرج من حجرة الطبيب متجها نحو الغرفة التي تتواجد بها بصحبة والدها ووالده واقترب من الفراش صارخا فيها بكل إنفعال عملتيها برضه يا نادية ...نفذتي اللي فدماغك ومۏتي ابني ...اوعي تفكري انك حتنفدي بعملتك دي... ورحمة أمي لأسجنك يا نادية
استدار صفوت ليصبح في مواجهته وقال بذهول إيه اللي انت بتقوله ده? انت اټجننت ? ازاي تكلمها بالطريقة دي ادامي
امسكت نادية بيد والدها الجالس إلى جوارها وقالت بإستكانة طلقني منه يا بابا ...لو سمحت خليه يطلقني
وقف نجيب إلى جوار ولده وقال بدهشة معناه إيه الكلام اللي بتقوله ده يا سامح ?
سامح وهو يحاول جاهدا أن يكظم غيظه كلامي واضح يا بابا ...الهانم اخدت حبوب عشان تعملها إجهاض ...يعني هيا اللي موتت إبني يا بابا
الټفت صفوت إلى نادية قائلا صحيح الكلام اللي بيقوله ده يا نادية ?
اعتدلت في جلستها ودفنت رأسها في صدر والدها وهي تصطنع البكاء قائلة ايوه صحيح يا بابا ... انت ماتعرفش هو عمل معايا إيه طول الفترة اللي اتجوزته فيها ...ده بهدلني وضړبني وكمان بيعاملني أسوأ معاملة ...ده أنا استحملت كتير اوي يا بابا ... خليه يطلقني يا بابا عشان خاطري
ربت صفوت على ظهرها وهو يحاول تهدئتها قائلا إهدي بس يا حبيبتي وانا حاعملك اللي انتي عايزاه ...انا قلبي كان حاسس فعلا إن فيه حاجة مش طبيعية ...لكن انتي غلطانة يا نادية...إيه اللي خلاكي تستحملي كل ده وتسكتي ...ليه ماقولتليش من بدري وأنا كنت اتصرفت معاه وطلقتك منه
نادية عشان ماكانش ينفع اطلق بعد فرحي بأيام ...الناس كانت حتقول إيه بس...وهو عرف يستغل النقطة دي كويس اوي... عشان كده يا بابا انا مش عايزة افضل على ذمته دقيقة واحدة
نجيب محدثا سامح بإنفعال انت الظاهر مافيش فايدة فيك ابدا ...
سامح يابابا دي .... دي كدابة ماتصدقهاش ...دي ...
قاطعه صفوت قائلا بحدة انت تطلقها دلوقتي حالا وإلا مش حيحصلك طيب
سامح بحدة مماثلة أنا مش حاسيبها غير لما أخد حق ابني
أجابه نجيب قائلا بصرامة خلاص خلصنا... انت اللي غلطت من البداية ودي كانت نتيجة غلطتك والتمن اللي كان لازم تدفعه... احنا عايزين نخلص من الموضوع ده خالص...اتفضل ارمي عليها يمين الطلاق وخلصنا بقى من الحكاية السخيفة دي
سامح بإصرار مش حاطلقها ...أنا مش لعبة فإيديكوا ..اتجوزها يا سامح أتجوزها... طلقها يا سامح اطلقها ... طلاق مش حاطلق ...ورحمة أمي ما حاطلق
لم يستطع أي منهم ان يجيبه فقد اندفع مغادرا الغرفة دون إنتظار ان يسمع جوابا من احد...ولكن صفوت حدث نجيب قائلا ياريت نخلص من الموضوع ده فأقرب وقت ... وبلاش يضطرنا اننا نرفع قضية خلع...انا بنتي لايمكن تستنى على ذمته بعد النهاردة
نجيب مطمئنا إياه ماتقلقش حضرتك... انا حاعرف أقنعه إنه يطلقها وكفاية اوي لحد كده اللي حصل منه ومنها ...عن إذنكوا
كان علي ونورا قد عادا إلى الفيلا لتخبرهما أمينة بماحدث لنادية ...فاسرعا معا متجهين نحو المشفى الموجود به نادية للإطمئنان عليها ...وفي المساء غادر الجميع المشفى عائدين إلى الفيلا بعد أن طمأنهم الطبيب على إستقرارحالتها...أما عن سامح فقد كان جالسا مع تامر في مجلسهما المعتاد وسامح يتجرع كئوس الخمر واحد تلو الأخرى وتامر يحاول مواساته والشد من أزره وهو يبكي قائلا عرفت تكسرني بنت الدمياطي ...عرفت تلاقي السلاح اللي تحاربني بيه ...لكن ورحمة أمي لازم ادفعها التمن غالي اوي
تامر ماعاشت ولاكانت اللي تكسرك يابرنس ...ماتفكك منها يابرنس وتطلقها وتتجوز واحدة تانية تدلعك وتخلفلك الواد اللي نفسك فيه
سامح بإصرار مش قبل ما اخد حقي منها الأول وحق ابني وارميها فالسجن...الصبح حاروح اقدم فيها بلاغ ومش حاسيبها غير لما ېسجنوها
امتدت يده إلى جيب بنطاله ليخرج منه كيسا به بعضا من مسحوق الهيروين ... فغر تامر فاه من الصدمة وقال بذهول إيه ده يا برنس... من امتى وانت ليك فالشم ?
اجابه سامح وهو ينثر محتويات الكيس على ظهر يده من هنا ورايح لحد ما انسى اللي عملته فيا بنت الدمياطي
تامر بقلق طب كفاية كده ...كده كتير اوي وأنا خاېف عليك يابرنس... ما تنساش ان دي
اول مرة...وبعدين دي ماتستاهلش تضيع نفسك عشانها
لم يجبه سامح ولكنه اغمض عينيه واسند رأسه إلى المقعد

 

شاعرا بلذة وهمية سرعان ماتتحول إلى ألم قاټل
في الصباح كان كل من صفوت وعلي ونورا يجلسون إلى مائدة الإفطار إلى جوار نادية التي صمم والدها أن تنزل لتتناول إفطارها معهم حتى لا يتركها بمفردها فريسة للوحدة ...كان علي يتناول قهوته الصباحية ويتصفح بعض الصحف مطلعا على أهم الأخبار حين لفت نظره خبر جعله يتسمر مكانه من أثر المفاجأة ... لاحظه صفوت الذي كان يتحدث إلى نادية قائلا النهاردة إن شاءالله حاتكلم مع المحامي عشان نشوف موضوع قضية الخلع اللي ناويين نرفعها ... الټفت إليه علي قائلا بجمود وبوجه خال من أي تعبيرات أنا شايف ان مافيش داعي لموضوع القضية ده يا عمي
صفوت بدهشة ليه يا علي ?عايزها تفضل على ذمته بعد اللي عمله ?
مدعلي يده بالصحيفة إلى عمه الذي امسكها وأخذ يقرأ عنوان الخبر الذي استوقف علي قائلابصوت عال مصرع نجل رجل الأعمال نجيب الحسيني إثر تناوله جرعة مخ درات زائدة
جحظت عيناه وهو يتمتم قائلا بذهول معقول ده
شهقت نورا بفزع قائلة سامح ماټ !
تنهدت نادية قائلة پشماتة يلا...فستين داهية....
رواية وصية صفية. 
بقلم الكاتبة منال ام ابراهيم مرجان