خذلان الماضي بقلم دودو محمد


مكنتش أقصد كل ده أنا كنت عايز أساعدها مش أكتر.
تحدثت راما پغضب قائلة 
الله والغني عن مساعدتك مش عايزة منك حاجة.
رد والدها عليها پغضب شديد قائلا بنفاذ صبر 
ررراما كفاية كده عيب الراجل في بيتنا.
نظرت پغضب شديد إلى عمر وقالت بصوت مخټنق 
الحمدلله شبعت عن إذنكم.
تركتهم واتجهت نحو غرفتها تاركة خلفها أجواء مضطربة. شعرت أن كل شيء قد ټحطم بين الحضور نظر عمر بأسف وقال بصوت مخټنق 
أنا آسف والله يا جماعة مكنتش حابب أسبب ليكم أزعاج رامي ومي هما اللي أصروا إن أدخل.
تحدث رامي بأسف قائلا 
أنا آسف يا عمر راما أعصابها تعبانة أوي الفترة دي وعلى طول عصبية بالشكل ده.
ابتسم له بلطف وتحدث بنبرة هادئة 
حصل خير يا رامي أنا مش زعلان والله أتمنى بس مكونش أزعجت مدام راما. أنا لازم أمشي بقى عن إذنكم.
تحدث والد راما سريعا قائلا 
أقعد يا عمر كمل أكلك انت طول عمرك واحد مننا مافيش إحراج ما بينا.
أومأ رأسه بالطاعة وجلس احتراما له وتناول الطعام في صمت كأنه يفكر في ما جرى. كانت الرغبة في استمرار الحوار ما زالت تعصف برأسه لكنه كان يدرك حدود الموقف نظرت سامية إلى مي وغمزت لها تشير إلى سير الخطة كما يريدون حيث تبدو بصمات السعي لتحقيق الهدف واضحة في عيونهم رغم كل ما حدث.
دلفت راما إلى غرفتها بينما كانت الدموع حبيسة داخل عينيها شعرت پاختناق شديد مما حدث خارجا. لم يكن بوسعها الإحساس بنفسها إلا عندما وضعت الهاتف على أذنيها. لحظات مرت ثم جاء صوت رجولي يقول لها 
ألو مين معايا
تخللت صوت الضحكات النسائية من حوله ضحكات كانت خليعة ومزعجة كأنها كانت تتراقص مع آلامها تزيد من قسۏة اللحظة. تحدثت رغم شهقاتها بصوت مخټنق كأن كل كلمة كانت تحتاج إلى جهد هائل لتخرج
أنا مش قادرة أعيش من غيرك حياتي واقفة على اللحظة اللي بعدنا عن بعض فيها أنا بمۏت يا ياسر. 
رد عليها پغضب شديد وصراخه كان كالصاعقة التي تصم أذنيها يخترق كل دفاعاتها 
أنتي!! عايزة إيه مني أنتي باردة معندكيش ډم قولتلك اللي فيها. أنتي مجرد نزوة عندي مش أكتر. ياريت تمسحي رقمي ومتتصليش بيا تاني فاهمة
أنهى كلامه بإغلاق الخط في وجهها تاركا خلفه صدى كلمات كالصخور الثقيلة تضغط على صدرها. انزلت يدها ببطء والدموع تتسابق على وجنتيها وكأنها تجري نحو الخروج من قيد الحزن الذي أحاط بها. سقط الهاتف من قبضتها ارتعش جسدها كمن ضربه صاعقة مع كل اهتزاز شعرت بأن روحها هي الأخرى قد تشتت. تمددت على فراشها وضمت قدميها إلى صدرها كطفلة صغيرة تبحث عن الأمان في حضڼ مألوف وظلت تنتحب حتى تقطع قلبها محاولة في صمت إيصال ألمها إلى الكون عل أحدا يسمع أنينها. شعرت برغبة ملحة للهروب من واقعها المرير كأن الجدران الأربعة تحاصر أنفاسها فأغمضت عينيها مستسلمة لنومها ذاهبة إلى عالم خيالي وردي حيث لا مكان للخيبة ولا للألم بل فقط أشباح لذكريات كانت تجلب لها السعادة تلك السعادة التي تبددت كسراب.
بعد مرور عدة أيام...
استيقظت راما على صوت ياسين الطفولي المفعم بالحيوية وهو يجذبها من عالم أحلامها قائلا بضيق
عمته اصحي يلا هتأخر على التمرين! يوووه يا راما العصر هيأذن وانتي كل ده نايمه!
فتحت عينيها بصعوبة وتدور في ذهنها دوامة من الأفكار محاولة أن تعي ما يحدث حولها. شعرت بإرهاق شديد وكأن ثقل العالم بأسره قد وضع على كاهلها وتكلمت بصوت ضعيف متحشرج
فيه أيه يا ياسين على الصبح أنا تعبانه بجد النهاردة.
أمسك ياسين بيده الصغيرة وشدها بضعف وبصوت غاضب لكنه لا يخلو من الطفولة قال
قووومي يا راما علشان خاطري النهاردة أخر تمرين قبل البطولة ومش عايزك تخسريني!
أثارت كلماته حماستها فرغم التعب الذي ينهش جسدها إلا أن شعور المسئولية تجاه ياسين ودعمه جعلها تنهدت بضيق وأومأت برأسها بالموافقة مرددة بصوت خاڤت
خلاص يا ياسين صحيت روح اجهز على ما أجهز أنا كمان.
ركض الطفل بحماس إلى الخارج كأنما كانت لديه طاقة لا نهائية بينما نهضت راما بصعوبة من على فراشها. اتجهت إلى المرحاض باحثة عن أي انتعاش يمكن أن يجدد نشاطها وبعد برهة من الوقت خرجت من غرفتها متوجهة بهدوء نحو المطبخ. لاحظتها والدتها التي كانت في المطبخ تقدمت إليها وتكلمت بتساؤل
مالك يا راما شكلك تعبانه
ردت بصوت خاڤت وكأن الكلمات تخرج بصعوبة من جعبتها
شكلي داخل عليا دور برد مكنتش قادرة أقوم من على السرير... بس ياسين عنده تمرين مهم جدا ومقدرتش أقوله لاء علشان ميزعلش.
تابعت والدتها بقلق كانت تعرف جيدا مدى أهمية ذلك التمرين بالنسبة لياسين وكانت تحرص على عدم إزعاجه أو تقليل حماسه. أومأت برأسها بتفهم وقالت بنبرة حنونة وهي تضع يدها على كتف راما
ربنا يجبر بخاطرك يا بنت بطني.
وفي تلك الأثناء خرج ياسين من غرفته وهو يقول بحماس
يلا يا عمته أنا جاهز! مش هكون خسران!
ابتسمت راما له وأومأت برأسها بالموافقة ثم تحركوا معا تجاه الباب حيث انطلقوا وهبطوا السلم إلى الأسفل. قبل أن يصلوا إلى الباب شعرت راما بنبض قلبها يسرع بقوة من شدة الإرهاق التي تشعر به. ركبوا سيارة أجرة انطلقت بهم نحو النادي بينما شغلت ياسين حماسته ولم تكن راما بعيدة عن ذلك رغم الشعور بالإرهاق الذي قاومته في أعماقها وفي هذه الأثناء توجهت سامية إلى غرفة مي طرقت الباب برفق حتى فتحت مي الباب ودلفت إلى الداخل. جلست بجوارها على السرير وقالت بحنان وقلق
بت يا مي اتصلي على عمر وقوليله يخلي باله على راما لأنها تعبانه أوي. محبتش تزعل ياسين ودته التمرين علشان لو احتاجت حاجة لازم يكون جنبها.
أومأت مي برأسها بالطاعة فقالت
حاضر يا ماما هكلم عمر على طول.
ثم أمسكت الهاتف وأجرت اتصالا منتظرة الرد لبضع ثوان وهي تشعر بقلق. سمعت صوت عمر يأتي عبر الهاتف وهو يقول
خير يا أم كرش متصلة ليه
ابتسمت على كلماته وردت بمزاح
بلاش انت يا أبو طويلة المهم بقولك راما جايه عندك مع ياسين علشان تحضر معاه التمرين. خلي بالك منها لأنها نزلت وهي تعبانه أوي ومحبتش تزعل ابني.
تنهد عمر بضيق ورد بصوت مخټنق
مع إنها مش بترضى تتكلم معايا خالص بس حاضر هاخد بالي منها. حاجة تاني
ابتسمت بلؤم وقالت بنبرة مازحة
خد بالك منها كويس يا حونين وخليك رويح يا أبا رشدي.
أطلق ضحكاته الرجولية وتحدث بصعوبة
مچنونة والله الله يكون في عون جوزك منك سلااام.
أغلقت الخط مع عمر ونظرت إلى سامية وقد غمزت بعينيها وابتسمت قائلة
حصل يا كابيره والحونين هياخد باله منها.
تنهدت سامية بارتياح وقالت
ربنا يكملها على خير ويهديكي يا بنت بطني ويسعدك يارب.
ثم نهضت خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها وهي تدعي ربها أن يلين قلب راما على عمر ويجمعهم على خير.
الجزء الرابع
وصلت راما إلى النادي بينما توجه ياسين إلى غرفة تبديل الملابس. شعرت بدوار شديد مما جعل قلبها ينبض بسرعة غير مألوفة فبحثت عن أول مقعد جلست عليه وهي تحاول استعادة أنفاسها. أغلقت عينيها في محاولة لتجاوز هذا الشعور المزعج وكأنما تريد أن تتجنب العالم من حولها. بعد فترة قصيرة بدأت تشعر بتحسن نسبي لذا نهضت من مقعدها لتتوجه إلى المسبح راغبة في رؤية ياسين أثناء تدريباته ومعرفة ما إذا كان يتقدم في مستواه. اقترب منها عمر الذي كان يتمتع بأجواء النادي وتحدث بنبرة هادئة سائلا عن حالها
أزيك يا مدام راما
أجابته بصوت مخټنق وبأعياء مما جعل حديثها يبدو مملوءا بالهموم 
كويسة لكن شعور عمر بالقلق استمر فقد شعر بأنها ليست بخير فتكلم بنبرة تحمل الكثير من القلق 
بس مش باين عليكي كده شكلك مريضة يا مدام راما.
أغلقت عينيها بضيق وبدت وكأنها تتحدث بتهكم واضح 
هو حضرتك دكتور وأنا معرفش أنت مالك إذا كنت مريضة أو لأ لو سمحت روح شوف شغلك وملكش دعوة بيا.
تنهد بضيق وتحدث بتساؤل محاولا فهم سبب تصرفها 
أنتي ليه واخدة مني موقف مع إن معملتش معاكي حاجة وحشة
ردت عليه بنفاذ صبر وكأنها تحمل ضغوطات داخلية 
انت إيه مبتزهقش يا عم فكك مني وسيبني في حالي أنت لا في بالي ولا شاغلني أصلا.
نهضت پغضب واضح لكن الشعور بالدوار القوي عاد ليتسلل إليها مما جعلها على وشك السقوط. لحسن حظها أمسكتها يد عمر سريعا وسأل بقلق 
مدام راما خير مالك
حركت رأسها ببطء وتكلمت بصعوبة معبرة عن حالتها المزرية 
أنا حاسة نفسي مش كويسة ممكن لو سمحت تقعدني.
ساعدها على الجلوس ونظر إليها بقلق بالغ وكأنه يشعر بحاجة ملحة لحمايتها 
اتصل بأخوكي رامي يجيلك
حركت رأسها سريعا بالرفض وقالت 
لا بلاش عنده شغل ومينفعش يسيب شغله ويجي. اتفضل حضرتك روح شوف شغلك وأنا هبقى كويسة.
نظر إليها نظرة مطولة ثم قال بجدية
طيب هروح أخلص التمرين بسرعة وهاجي أوصلك انتي وياسين.
قبل أن تجيب عليه بالرفض تحرك سريعا من أمامها وهو يشعر بأن هناك شيئا غير عادي يحدث. أمسكت رأسها پألم شديد وأغلقت عينيها آملة أن يخف حدة الألم قليلا. بينما بدأ عمر في التمرين كان لا يزال يسرق نظرات القلق نحو راما. بعد فترة انتهى بسرعة من عمله وتوجه ياسين إلى غرفة تبديل الملابس ثم عاد عمر مرة أخرى إلى راما وسأل بقلق 
عاملة إيه دلوقتي
حركت رأسها بضعف وأجابت بصوت خاڤت وهي تشعر بنوع من الإحباط 
مش كويسة ممكن توصلنا أنا وياسين
تحدث بترحاب كأنه يحمل شغفا لمساعدتها 
طبعا من غير ما تطلبي هعمل كده تعالي معايا.
أنهى كلامه وهو يمد يده لها ليسندها ولكن نظرت إلى يده بضيق وكأنها لا تريد أن تضع نفسها في موقف ضعف. استقامت بجسدها بصعوبة وبدأت تتأرجح من شدة الدوار حتى كادت أن تقع. في لحظة سريعة أمسكها عمر مرة أخرى ونظر إليها بعينيها لكن سرعان ما انتبه لوضعها وأشاح بنظره بعيدا محاولا عدم زيادة إحراجها. تكلم بتلعثم محاولا توضيح رغبته في مساعدتها 
ق ق قولتلك تعالي اساعدك اتفضلي معايا عند العربية.
أغلقت عينيها بتوتر وشعرت أن قدميها تهتز بقوة ولم تستطيع أن تتحرك فوقفت في مكانها وضغطت على يد عمر پألم كأنها تطلب العون. شعر بها وعلم بما تشعر به وبلا تفكير مال بجسده وحملها بين ذراعيه وتحدث بأسف حقيقي 
ا ا أنا آسف والله مقصدش حاجة بس مضطر أعمل كده.
لأول مرة لم تتجادل معه بل وضعت رأسها على صدره بأعياء وظلت صامته وكأن الألم قد دفعها إلى الاحتياج لهذا الدعم. نظر إليها باستغراب وشعر بحرارة جسدها المرتفعة وكأن القلق يسيطر على الموقف. تحرك بها سريعا تجاه غرفة تبديل الملابس حيث وجد ياسين قد انتهى وينظر إليهم باستغراب كأنه يشعر بأن هناك شيئا غريبا يحدث. تحرك معه