رواية خلف الظلال الفصل الأول إلى الخامس بقلم يسرا مسعد

الحلقة 1
فتحت عيناها وانتظرت دقه جرس المنبه الصغير الذى تضعه اسفل وسادتها وما هى الا ثوان معدوده حتى رن الجرس امسكت هاله بالمنبه الصغير واطفأته ونظرت فيه كأنما تتأكد
نعم
انها السادسه صباحا ....
قد يظن البعض انه يوم جديد ولكنه ليس بجديد عليها
انه يوم آخر
بل يوم روتينى آخر
بحسب ذاكرتها يوم أن كانت طالبه بالصف الأول الأبتدائى كان اليوم أربع وعشرون ساعه
هذا ماتعلمته ودرسته
ولكن هاله تستشعر يومها اطول من ذلك ليس باربع وعشرن ساعه فحسب
بل ثمانى واربعون
لا
بل اثنا وسبعون
نعم
يومها اطول من المعتاد بثلاثه اضعاف كامله
وكيف لا
وهى نزيله بسجن النساء بالقناطر بعد ادانتها بتهمه اختلاس الاموال
وتقضى عقوبه قدرها خمس سنوات كامله ولكن.............. هانت 
تلك الكلمه التى ظلت تتردد داخلها مؤخرا
فما بقى من ايام السچن سوى تسع وعشرون يوما
اى ستمائه وست وتسعون ساعه زمنيه بحساب البشر
وبحسابها الفان وثمانيه وثمانون ساعه
ياله من فارق !!!!
قامت هاله من سريرها المعدنى الغير مريح واتجهت بخطوات متثاقله الى طاوله صغيره والموضوعه فى ركن الغرفه البعيد حيث يعلوها مرحاض الصغير اسودت معالمه من قله نظافته وطول عمره
وامسكت بزجاجه المياه ورشت بعضا من قطرات الماء على وجهها فى محاوله منها للاغتسال دون الاسراف فى استهلاك المياه النظيفه مراعاه منها لزميلاتها فى العنبر
فقد تبين ان المياه المتدفقه من الصنبور رفاهيه
قد لا يستطيع البعض تحملها
واخرون لا يستحقونها .....لا سيما طوال اليوم
وبالطبع فإن سجن النساء ممن ينتمون للفئه الاخيره فى هذا البلد الطيب
ولكن الهدف منه نبيل للغايه
فهذا ما اعتمدته اداره شركه المياه مؤخرا فى محاوله منهم لترشيد استهلاك المياه
رفعت هاله وجهها ونظرت لنفسها فى المرآه المكسوره المعلقه على الحائط الرمادى والمملوكه لرفيقتها هند
نظرت هاله الى نفسها فسنوات السچن قد تركت اثرا سلبيا على بشرتها فأضحت سمراء بعض الشىء مجهده بسبب تعرضها المستمر لاشعه الشمس الضاره فضلا عن يديها الخشنتان جراء عملها فى تصنيع السجاد والكليم بورشه السچن 
الا ان الاثر الجيد عند بعض النساء ان هاله قد فقدت بضعه كيلوجرمات من وزنها مما اضاف لقدها الطويل رشاقه تحسدها عليها الكثيرات
مره اخرى رددت هاله داخلها هانت ولكن تلك المره مصحوبه بتنهيده مسموعه لدى سماعها صوت السجانه فهيمه وهى تتجادل مع احدى المسجونات وتلقيها بالسباب بدءا من نسلها وصولا لنسل ابو البشر ادم عليه السلام
صاحت هاله بصوت مسموع هند ياهند ...امانى يا امانى ....قوموا اصحوا بسرعه فهيمه وصلت
ما ان سمعت رفيقتها امانى الاكبر سنا كلماتها حتى قامت فزعه وقالت صباح الخير يا هاله ولو ان يجى الخير منين ده اليوم اللى بنصطبح بيه بوشها مش بيعدى اصلا
سمعت كليهما صوت يشبه بوق سيارات النقل الكبيره قائلاهيييييييييييي هاااااااااااع...... انتبااااااااااه يا نسواااااااااااااااان
هاله يا فتاح يا عليم على الصبح ...صحى هند بسرعه دى نومها تقيل لو دخلت فهيمه ولقيتها نايمه هتطربق عيشتنا
قامت امانى بهز جسد رفيقتها الصغير قائله هند ...بت يا هند ....قومى بسرعه... فهيمه جت بدرى اصحى .
ثم وكزتها فى كتفها پعنف وقالت ماتصحى يا منيله
فتحت هند عيناها مذعوره وقالت يا ساتر حد يصحى الخلق كده ...الهى تنشكى فى ايدك يا بعيده
امانى ان شالله انتى ....بقى ايدى انا ولا البياده بتاعه فهيمه
هند متأففه صباح الخير يا هاله
هاله بابتسامه بائسه صباح النور يا هند ..قومى يالا من السرير وتعالى نصطف الطابور وابقى اشطفى وشك بعدين
قامت هند مسرعه واصطفت بجوار كلا من هاله وامانى ودخلت عليهم الصول فهيمه
قالت فهيمه بصوت رخيم الله الله ..لسه صاحيين يا هوانم جاردن سيتى ..مابدرى يا اختى انتى وهيا ايه عشان ما العنبر فضى عليكم امبارح وتلاته انزاحو منه مره واحده...عقبال ما اخلص من خلقكم العكره يالا يا اختى انتى وهيا على الحوش بسرعه
هند باستغراب الحوش ..ليه مش هنروح المطبخ زى كل يوم تلات
فهيمه بخشونه لاء يا ست هانم هتطلعو الحوش... المأمور الجديد جاى النهارده.. عايزاكو تفلو الرمل رملايه ..رملايه ..فاهمين..مالقاش قشايه وبعد ماتخلصو تتهببوا تروحو المطبخ ..يالا انجزوا بالخطوه السريعه
خرجت النسوه الثلاث سريعا واتجهن الى الفناء الخارجى للسجن ... فيما وقفت فهيمه تراقبهم اثناء سيرهم حتى وصلن الى الفناء الواسع
مرت هاله بجوار صول منيره الطيبه فابتسمت لها وقالت صباح الخير يا حضره الصول
منيره بابتسامه مشرقه صباح الخير يا هاله..صباحكم فل يا بنات ...يالا انجزوا شويه المأمور الجديد قدامه ساعه زمن ويوصل 
ربنا يستر ويطلع ابن حلال مش زى اللى قبله ..
ثم قالت منيره باهتمام مافيش اخبار من مامتك يا هاله 
ردت هاله بأسف ابدا ...خاېفه ليكون جرالها حاجه هيا والولاد
امانى بعد الشړ يا شيخه تلاقيها اخدتهم يروحو يزوروا خالتك مش بتقولى ليكى خاله فى اسكندريه ..واهو زمانهم اخدو اجازه نص السنه ويغيروا جو
هاله ايوا بس ماقلتش من اخر مره كانت فيها هنا كمان خالتى ست كبيره ومش حمل ضيافه
منيره ماتقلقيش كلها شهر وتخرجى وتتطمنى عليهم ويتلم شملكم تانى يارب والغايب حجته معاه
قاطعت حديثهم فهيمه بصوتها الغليظ ايه يا اختى انتى وهيا واقفين تتسامرو وانتى يا صول منيره انتى واقفه تراقبيهم ولا تدردشى معاهم
هند ما احنا بنشتغل اهوه يا صول فهيمه والشمس اكلت راسنا ع الصبح
فهيمه بغلظه وتاكل جتتك... تكونيش فاكره نفسك فى عزبه تنت ...يالا اكنسى بلا مرقعه
انصرفت النسوه لتنظيف الفناء فى صمت
وبعد ساعه زمنيه من العمل المنهك سمع الجميع صفاره مدويه وتحيه العساكر
فقالت منيره بصوت حازم معتدل مارش يا ستات
وقفن المسجونات باستقامه فى صف طويل ودخلت سياره المأمور ذات اللون البيج الرسميه فناء السچن الواسع 
وسارت قليلا حتى توقفت ثم ترجل المأمور برشاقه وسار بحزم الى صف المسجونات واتبعته الصول منيره بخفه
هند بصوت خاڤت يختى عليه دا جدع صغير وحليوه .
فوكزتها امانى فى ذراعها قائله اسكتى فتأوهت هند ....فنهرتهما هاله ليكفا عن الثرثرهشششش
سار المأمور يتأمل وجوه السجينات بتؤده ..حتى توقف امام هاله
وتأملها مليا فملامح وجهها تخبره انها حتما فى المكان الخطأ
رفعت هاله عيناها ونظرت الى المأمور الوسيم بثبات فقال لها بصوت هادىء تهمتك ايه
نظرت له هاله بثبات ولم ترد ...
قالت منيره متنحنحه هاله يا افندم مثال فى الالتزام والله ...ربنا يوفقها وماترجعلناش تانى
الټفت المأمور الى صول منيره وقال اسمك ايه يا حضره الصول
ردت منيره صول منيره اسعد اكرامى يا افندم
رد المأمور بصوت حازم طيب يا صول منيره اسعد اكرامى ..خدى المسجونات وكله على شغله انا مابحبش الخيله الكدابه ...اليوم يمشى طبيعى اخر مره اشوف طابور الهنا ده ...انصراف
انصرفت هاله مع زميلاتها لاعمالهم اليوميه المعتاده مابين المطبخ لاعداد الطعام لبقيه المسجونات
وورشه السجاد وبنفس الروتين الذى سارت عليه منذ ان حلت سجينه فى سجن النساء
واتجه المأمور الشاب الى غرفه مكتبه الواسعه جلس وحيدا يتطلع لبعض الملفات الخاصه بالعمل بملل
مضت ساعتين حتى سمع طرقا على الباب فقال بصوت قاطع ادخل
دخل شاب فى منتصف الثلاثينيات قائلا بمرح والله بقيت مأمور يا حاتم ..الف مبروك تستاهلها والله
تهللت اسارير حاتم لدى رؤيته لاقرب اصدقاءه وقام واتجه نحوه قائلا فى سرور اهلااااا ...الله يبارك فيك يا احمد ...
ثم استطرد حاتم جيت فى وقتك دا انا على اخرى وزهقان اووى
احمد ليه كده بس يا سيادتة المأمور ...
احمد يا اخى انت غاوى شقى ...الشغل هنا اريح والمسئوليه ااقل واسمك فى سجن النساء ...يعنى ستات لووو لوو من الحضيض يا معلم
حاتم ههههههه انت فاكرنى جاى اعاكس ...لاء وايه وستات ليهم سجل اجرامى كمان ..اقعد اقعد واقف ليه
اتجه احمد وجلس على الاريكه الجلديه وقال طيب اطلبلى واحد شاى لزوم القاعده
حاتم حالا ...ثم رفع سماعه الهاتف وطلب المشروب الساخن لصديقه
وبعد قليل
سمع الصديقان طرقا على الباب ودخل العسكرى حاملا اكواب الشاى الساخنه وضعها جانبا وادى التحيه العسكريه وانصرف
بعدها بثوان معدوده دخلت صول منيره وادت التحيه العسكريه للمأمور الشاب وقالت ده ملف اللى خارجين اخر الشهر يا افندم عشان تمضى حضرتك ورقهم
حاتم طيب حطيه عندك وانصراف يا حضره الصول
انصرفت منيره بعد ان قالت امرك يا افندم ..عن اذنك
قام حاتم واتجه الى الملفات وتفحصها سريعا حتى توقف عند ملف هاله وتصفحه بلهفه لم يدرى لها سببا
طالعت عيناه صورتها وقرأ بصوت منخفض ... الاسم هاله يسرى السيد عبد المتعال
السن 27 سنه
التهمه تزوير لاوراق رسميه واختلاس الاموال
مده الحبس خمس سنوات وغرامه ماليه قدرها 75الف جنيه
قاطعه احمد قائلا يعنى بتقول مش طايق الشغل وزهقان وجرى تفتح فى الملفات لسه زى ما انت يا حاتم ټموت فى الشغل حتى لو مش حابه
حاتم هه ...لا ابدا بس اصل السجينه دى شفتها الصبح ومش عارف ..حاسس ان السچن ده اخر مكان المفروض تكون فيه
احمد يا سلام يعنى دى اول مره تشوف فيها حد لا تتخيل انه ممكن يبص بس على منظر الفرخه وهيا بتدبح وتلاقيه قاتله يجى ولا عشره ...
حاتم لا لا دى مش كده ...مش عارف بس ده اللى حسيته ..شكلها بنت ناس اووى
احمد تهمتها ايه
حاتم اختلاس وتزوير
احمد هههههههههه لا بنت ناس اووى ...سيبك ..ايه رأيك تيجى الليله معانا هنسهر انا ومؤمن وبقيه الشله فى القريه فى الساحل ونبات الجمعه ونرجع السبت الصبح ايه رأيك
حاتم ماشى بس انا هرجع الجمعه بالليل عشان الحق اجى الصبح بدرى فى ميعادى ..مش عايز اديهم انطباع عنى فى الاول انى بتأخر وكده
احمد خلاص يا عم .عدى عليا الساعه 7 ونروح سوا انا وانت بعربيتك ..عربيتى فى التوكيل
حاتم طيب ياسيدى ..اشرب شايك بقى
دقت الساعه الخامسه .... ميعاد الانصراف فى فصل الشتاء بالسجن
اغلق حاتم احد الملفات التى كان يراجعها وقام وانصرف مسرعا وحل المساء وذهب مع اصدقاءه فى عطلته الاسبوعيه كما اعتاد
كانت هاله تجلس فى صمت ناظره للقمر البعيد فى الفضاء الشاسع تتذكر ماضيها 
يوم ان تم القبض عليها كانت عائده لتوها من المستشفى حيث كانت والدتها تجرى عمليه لزرع صماما فى القلب وكان ولديها ياسين وعمر برفقه اخيها الاصغر هادى والذى كان وقتها طالبا فى كليه الهندسه بالسنه الرابعه ....
قاطع حبل ذكرياتها صوت زميلتها امانى بصوت رقيق هاله ..انتى لسه صاحيه
هاله ااه يا امانى
امانى ايه اللى مصحيكى لحد دلوقتى 
هاله اهوه مش جايلى يوم ...افتكرت يوم ماتقبض عليا ...
ثم ادمعت عيناها بغزاره وقالت بشفاه مرتجفه ولادى وحشونى اووى ..زمان ياسين بقى عنده 9 سنين... وعمرو 10 ....5..سنين ماشفتهومش... 5 سنين امى بتكدب عليهم وقايلالهم انى بشتغل بره مصر...5 سنين اتخادو من عمرى
امانى خلاص هانت كلها 24 ليله و يوم الساعه بقت 12 وربع دخلنا فى يوم جديد وبعدين العمر لسه قدامك ياقمر انتى 32 مش 62 يعنى ولا 40 زى حالاتى
هاله ياااه يا امانى ..انتى لسه بتعديها