حكاية أيهم وورد بقلم الكاتبة ورد


ولم يكن قلبه مستعدا لأن يفتح بابه مرة أخرى فالذين يحبون بصدق لا يملكون رفاهية البدء من جديد.
لكن حين انكشفت الحقائق سقطت الأقنعة وظهر وجه الخېانة جليا أدرك أيهم أن ألمه لم يكن قدرا بل كان نتيجة چريمة ارتكبت بدم بارد چريمة سړقت منه امرأة كانت وطنا وألقت به في منفى الوحدة تائها بين سؤال لا يجد له إجابة
أين أنت يا ورد وهل لي يوما لقاء
..3..
بكرة أول يوم مدرسة لمين 
ليونس الشطور!
مرت الأيام والشهور وتوالت السنوات حتى انقضت ثلاثة أعوام. قرر أيهم أن يغادر مدينته متجها إلى الإسكندرية المدينة التي أحبها بشدة حيث قضى أجمل أيام حياته في شهر العسل برفقة زوجته. أراد الابتعاد عن كل ما يذكره بها حتى إنه لم يستطع مسامحة والدته بعد.
كاد أن يغرق في اكتئاب حاد لكنه انتفض قبل أن يؤثر ذلك على ابنه ويفسد حالته النفسية أكثر. لم تكن تربية يونس سهلة عليه فقد كان يذهب إلى عمله صباحا ولا يعرف أين يتركه. حتى جاءه اقتراح من أحد زملائه بأن يعمل من المنزل بعد الحصول على إذن من مديره. تحمس للفكرة كثيرا وحين عرض الأمر على مديره وشرح له وضعه وافق على أن يعمل من المنزل مع الحضور فقط في الاجتماعات المهمة.
كان ما يهون عليه هو رؤية ابنه يكبر أمامه عاما بعد عام. واليوم لا تتسع الغرفة لفرحته فالغد هو أول يوم دراسي ليونس.
اصحى يا بابا النهارده أول يوم مدرسة اصحى!
الساعة كام
سبعة إلا تلت يا بابا!
انتفض أيهم من فراشه بسرعة فقد تأخر كثيرا عن موعد الباص. حمل يونس بين ذراعيه وسط ضحكات الصغير وأدخله الحمام ثم أوقفه على الكرسي حتى يتمكن من الوصول إلى الحوض. أمسك الفرشاة وساعده في تنظيف أسنانه. بعد ذلك حمله مجددا وخلع عنه ملابسه ثم ألبسه زي المدرسة بعناية.
اتجه إلى المطبخ وأعد له السندويشات التي يحبها ثم وضعها في صندوق الطعام داخل حقيبته الصغيرة. بعد أن ألبسه الحقيبة حمله بين ذراعيه وركض مسرعا إلى الخارج حيث كان الباص على وشك المغادرة.
إيه التأخير ده يا أستاذ 
سأله السائق مستنكرا.
معلش بقى! 
أجاب أيهم وهو يلتقط أنفاسه.
ثم نظر إلى يونس وقال مبتسما 
البوسة بتاعة أول يوم!
انحنى الصغير ليقبل وجنة والده ثم احتضنه بقوة.
أنا بحبك أوي يا بابا!
وأنا بمۏت فيك يا روح بابا! خلي بالك من نفسك يا يونس.
هز يونس رأسه بحماس ثم صعد إلى مقعده في الباص.
ربنا يخليهولك يا أستاذ. 
قال السائق بود.
أمن أيهم على دعائه وهو يراقب الباص يبتعد غير مصدق أن صغيره قد كبر وأصبح تلميذا في المدرسة.
همس لنفسه بحزن 
كنت دلوقتي هتبقى مبسوطة بيه ربنا يرحمك يا روحي.
.... 
يا بنتي أنا عملت كده علشانك!
نهضت من مكانها بعينين تمتلئان بالدموع تنظر إليه بحسرة قبل أن تهتف بصوت مرتجف
علشاني! تحرمني من ابني ومن جوزي! تحرمني من أكتر اتنين بحبهم في الدنيا!
ازدادت أنفاسها اضطرابا وواصلت بصوت يقطعه البكاء
ابني دلوقتي زمانه في أول يوم مدرسة كل ما أشوف طفل بشوف ابني فيه! إزاي كده! إحنا معملناش حاجة غلط غير إننا حبينا بعض! تقوموا تحرمونا من بعض إنت وأمي!
في هذه اللحظة دخلت والدتهاأشارت إليها بضعف كأنها تريد التحدث لكن الكلمات خذلتها.
وأنت... سكت! لولا إني سمعتكم كنتي ناوية تخبي عني!
أكملت حديثها پألم صوتها يخرج مرتعشا من بين الدموع
شايفة بنتك بټموت كل يوم مليون مرة وساكتة! قوليلي أنا عملت إيه! كل اللي عملته إني حبيت! لما فوقت من الغيبوبة كنت واثقة إنه هيكون موجود وإنه راجع لبيتنا لكن لقيته مش موجود! وإنتو... قلتولي إنه أخد مراته وسافر وابني معاه!
هوت على ركبتيها كانت تبكي بحړقة جسدها يرتجف من شدة الانفعال لا تصدق كل ما تسمعه وكل ما تراه. لقد اشتاقت لعائلتها لكنها لم تتخيل يوما أن يكون ثمن ذلك... فقدان كل شيء.
الله أكبر.
كانت ساجدة تهمس بالدعاء بصوت مرتعش ودموعها تنهمر على سجادتها
يا رب... يا رب اجمعني بيهم على خير ويسامحوني يا رب... والله أنا مسمحاهم بس هما يسامحوني يا رب...
أنهت صلاتها ثم جلست في مكانها للحظات وعقلها يدور في أفكار متشابكة. فجأة خطرت لها فكرة أن تسافر إلى الإسكندرية لعلها تجد بعض السکينة ولعل الذكريات تعيد إليها بعض الدفء الذي فقدته. لا تعلم لماذا لم تفكر في ذلك من قبل وكأن عقلها كان مشغولا بالحزن أكثر من أي شيء آخر.
نهضت من مكانها واتجهت إلى الخارج ثم قالت دون أن تنظر إلى والديها
أنا هسافر إسكندرية يومين... أغير جو وده بعد إذنكم طبعا.
كادت والدتها أن تعترض لكن والدها قاطعها بحب وهدوء
طبعا يا حبيبتي غيري جو.
نظرت إليه زوجته پغضب لكن نظرة واحدة منه كانت كافية لتجعلها تصمت رغم أنها لم تكن راضية. 
يا بابا أنا عاوز أروح الحديقة!
نظر أيهم إلى ابنه الذي يتشبث بيده ويتطلع إليه بعينين تلمعان بالحماس ثم قال برفق
بلاش النهارده يا يونس يا حبيبي خليها يوم تاني.
لكن الطفل لم يستسلم اقترب أكثر وهتف بتوسل
وحياتي عندك يا بابا!
ضحك أيهم بخفة وهز رأسه قائلا
أنت عارف إني بحبك صح
هز يونس رأسه بحماس ليكمل والده بابتسامة ماكرة
وأنت عارف برضو إني مش برفضلك طلب صح
أومأ يونس بسرعة فتنهد أيهم وكأن الأمر صعب عليه ثم قال وهو يعبث بشعر ابنه
يبقى أكيد هنروح الحديقة علشان خاطر عيون يونس وحلاوة يونس!
قفز الطفل من الفرح ثم اندفع ليعانق والده قائلا بحب
أنا بحبك أوي يا بابا!
ضمھ أيهم بقوة وهمس له بحنان
وأنا بمۏت فيك يا عيوني.
مش هتيجي بقى يا بنتي قلبي قلقان عليك ده انتي بقالك أسبوعين هناك!
كان صوت والدتها يملأ المكان عبر الهاتف محملا بالاشتياق والقلق لكنها لم تكن مستعدة بعد للعودة فتنهدت ورد وردت بصوت هادئ
حابة الجو هنا يا ماما ومش عاوزة أنزل... حد يسيب الجنة دي ويرجع للكآبة سيبيني لحد ما أرتاح يا ماما.
صمتت والدتها قليلا قبل أن تهمس بندم
متزعليش مني يا بنتي...
أغلقت ورد عينيها تحاول أن تمنع دموعها ثم أجابت باستسلام
ربك يحلها ساعتها يا ماما... هقفل دلوقتي إيلول بتنده عليا.
أغلقت الهاتف وهي تتنفس بعمق لكن ما إن رفعت رأسها حتى وجدت صديقتها إيلول تقف عند باب الغرفة تنظر إليها بحزن. اقتربت منها واحتضنتها بحنان وهي تهمس
إن شاء الله خير يا ورد... حاولي تسامحي حاولي.
لكن ورد أغلقت عينيها پألم وارتعش صوتها وهي ترد
مش قادرة يا إيلول... مش قادرة! حاسة إن روحي هتطلع عيلتي مفتقداها أوي والسبب يكونوا أهلك! حتى هو... حتى هو مش عارف أنا عايشة ولا لأ مش عارف إني هنا مش عارف إني مستنيا وإني لسه عايشة على الذكرى!
كانت تبكي في نهاية حديثها دموعها جفت من كثرة البكاء وكأنها لم تعد تملك سوى ألم متجدد. مرت ثلاث سنوات وعشرة شهور وخمسة أسابيع واثنتا عشرة ساعة وخمسه وأربعون دقيقه ... ولم تر أحدا منهم.
تنهدت إيلول قبل أن تمسح دموع صديقتها برفق ثم قالت بنبرة أكثر دفئا
تعالي إيلاف عاوزة تروح الحديقة ومش راضية تروح لوحدها... لازم ورد تكون معاها.
هزت ورد رأسها وقالت بصوت متعب
مش